لفظُ هذا الباب يتعيِّن أنَّ يُقْرَأَ مضافًا إلى (قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم) لا غير.
و (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) مقول القول.
قوله (وإنَّ) بفتح الهمز عطفًا على القول لا على المقول، وإلَّا لكان مكسورًا إذ المقول وما عُطِفَ عليه حكم واحد، وهو خلاف الرِّواية والدِّراية.
وقال الزَّركشيُّ بفتح (أنَّ) ؛ أي وبيان أنَّ، وكذا قال ابن الملقِّن.
فائدة إن قلت مَا وجه الاستدلال بهذه الآية وهي واردة في الإيمان بالفتح الباب؛ فالجواب إنَّ مراده الاستدلال بها على أنَّ الإيمان بالقول وحدَه لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القَلْب، فإنَّ قوله {بِمَّا كَسَبَتْ قُلُوْبُكُمْ} [البقرة225] ؛ أي بما استقرَّ فيهَا، والآية وإن كانت واردةً في الإيمان بالفتح فالاستدلال بها في الإيمان بالكسر واضح للاشتراك في المعنى، إذ مدار الحقيقة فيهما على عمل القلب وكأنَّ البخاريَّ لمَّح بتفسير زيد بن أسلم، فإنَّه قال في قوله تعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيْ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة225] قال هو كقول الرَّجل إن فعلت كذا فأنا كافر، قال لا يؤاخذه الله بذلك حتَّى يعقد به قلبه، فظهرت المناسبة بين الآية والحديث وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان، فإنَّ فيه دليلًا على بطلان قول الكرَّاميَّة أنَّ الإيمان قول فقط ودليلًا على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام (أنا أعلمكم بالله) ظاهر في أنَّ العلم بالله تعالى درجات، وإنَّ بعض النَّاس فيه أفضل من بعض، وأنَّه عليه السَّلام منه في أعلى الدَّرجات.
والعلم بالله تعالى يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلَّق بذلك؛ فهذا هو الإيمان هنا؛ قاله شيخنا.
فائدة اختلفت العلماء في محلِّ العلم الحادث، وهو غير متعيِّن عند أهل الحقِّ عقلًا، بل يجوز أن يخلقه الله تعالى في أيِّ جوهر أراد، لكن دلَّ السَّمع على أنَّه القلب؛ لقوله تعالى {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوْبٌ يَعْقِلُوْنَ بِهَا} [الحج46] .
وقال الكرمانيُّ ووجه تعلُّق هذه التَّرجمة بالإيمان أنَّ العلم بالله، وكذا المعرفة به والتَّصديق به، والإيمان إمَّا التَّصديق، أو التَّصديق مع العلم، فالمقصودُ بيان أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ج 1 ص 42
أشدُّ إيمانًا منهم، وبيان أنَّ الإيمان هو أو بعضه فعل القلب ردًّا على الكرَّاميَّة.