19 -فائدة إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون.
فائدة رُوِيَ أنَّ رجلًا جاء إلى مالك، فقال قدم القَعْنبيُّ، فقال مالك قوموا إلى خير أهل الأرض، وقيل للقعنبيِّ حدثت ولم تكن تحدِّث، فقال رأيتُ كأنَّ القيامة قامت فصيح بأهل العلم فقاموا، فقمتُ معهم فصيحَ بي اجلس، فقلتُ إلهي! ألم أكن معهم أطلب، قال بلى، ولكنَّهم نشروا وأخفيته فحدَّثت.
قوله (مِنَ الدِّيْنِ) ولم يقل من الإيمان مع أنَّ عقدة الكتاب إنَّما هو في الإيمان، مُشْعِر بأنَّ الدِّين والإيمان واحد، كما أنَّ الإيمان والإسلام أيضًا عنده واحدٌ.
قال الطَّيبيُّ اصطلحوا على ترادف الإيمان والإسلام والدِّين، ولا مشاحَّة في الاصطلاح.
قوله (يُوْشِكُ) بكسر السِّين وضمِّ الياء؛ أي يُسرع ويقرب.
قوله (خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ) يجوز فيه وجهان
نصب (خير) ورفعه؛ ونصبه هو الأشهر في الرِّواية، وهو خبر يكون مقدَّمًا ولا يضرُّ كون الاسم، وهو (غنم) نكرة؛ لأنَّها موصوفة بقوله (يتبع بهَا) .
وأمَّا الرَّفع؛ فبأن يقدِّر في يكون ضمير الشَّأن، ويكون (خير مال المسلم غنم) مبتدأ وخبر، وقد رُوِيَ (غنمًا) بالنَّصب، انتهى.
وقد نقلتُ كلام ابن مالك والطَّيبيِّ في كتاب الإعراب.
إشارة قيَّد الغنم؛ لأنَّ هذا النوع من المال نموَّه وزيادته أبعد من الشوائب المحرَّمة كالرِّبا والشُّبهات المكروهة وخُصَّت الغنم بذلك لما فيها من السَّكينة والبركة وقد رعاها الأنبياء مع أنَّها سهلة الانقياد، حفيفة المؤنة، كثيرة النَّفع، وقيَّد الاتِّباع بالمواضع الخالية من ازدحام النَّاس؛ لأنَّها أسلم غالبًا عن المقاولات المؤدِّية إلى الكدورات.
ج 1 ص 41
قوله (يَتَّبِعُ) بتشديد التَّاء، وجاز سكونها.
و (شَعَفَ) بشين معجمة، ولابن قرقول فيه كلام في المهملة والمعجمة.
إشارة في بعضها (يتَّبع بها) والضَّمير راجع إلى (الغنم) وهو اسم جنس يجوز تأنيثه باعتبار معنى الجمع.
قوله (يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الفِتَنِ) هو إشعار بأنَّ هذا الاتِّباع ينبغي أن يكون استعصامًا للدِّين لا لأمرٍ دنيويٍّ كطلب كثرة العلف، وقلَّة أطماع النَّاس فيه، ولمَّا كان فيه الجمع بين الرِّفق والربح وصيانة الدِّين كان خير الأموال الَّذي يعتني بها المسلم، وهو إمَّا جملة حاليَّة، وذو الحال هو الضَّمير المستتر في (يتَّبع) .
ويُحتمَل أن يكون هو للمسلم، ويجوز الحال من المضاف إليه، نحو {اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء125] [آل عمران95] .
إن قلت إنَّما يجعل حالًا من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءًا من المضاف إليه أو في حكمه، كما في (رأيتُ وجه هند قائمة) لا في نحو (رأيتُ غلام هند قائمةً) .
و (المال) ليس كذلك، قلتُ المال لشدَّة ملابسته بذي المال كأنَّه جزء منه، وأمَّا اتحِّاد الخير بالمال؛ فظاهر، أو جملة استئنافيَّة على تقدير جواب سؤال يَقْتضيه المقام.
إن قلت كيف يُجمَع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة، وبين ما ندب إليه الشَّارع من اختلاط أهل المحِلَّة لإقامة الجماعة وأهل البلدة للجمعة وأهل السَّواد مع أهل البلدة للعيد وأهل الآفاق لوقوف عرفة، وفي الجملة اهتمام الشَّارع بالاجتماع مَعْلوم، ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللقيط من البادية على القرية، ومن القرية إلى البلد لا عكسها، ولا شكَّ أنَّ الإنسان مدنيٌّ بالطَّبع، محتاج إلى السَّواد الأعظم، وكمال الإنسانيَّة لا يحصل إلَّا بالتمُّدن.
قلتُ ذلك عند عدم الفتنة وعدم وقوعه في المعاصي، وعند الاجتماع بأهل الصَّلاح.
وأمَّا اتِّباع الشَّعف وطلب الخلوة والانقطاع؛ إنَّما هوَ في أضداد هذه الحالات، انتهى.
أطال الغزاليُّ الكلام في العزلة والاجتماع بأن كتبه في «الإحياء»
فائدة قال النَّوويُّ في الاستدلال بهذا الحديث للتَّرجمة نظر؛ لأنَّه لا يلزم من لفظ الحديث عدُّ الفرار دينًا، وإيمانًا بل هو صيانة الدِّين، فلعلَّ البخاريَّ نظر إلى أنَّه صيانة له فترجم له هذه التَّرجمة.
وأقول لا نظر، إذ كلمة (من) ابتدائيَّة؛ أي الفرار من الفتنة مَنْشؤه الدِّين، والحديث يَدلُّ عليه؛ لأنَّ الباء للسَّببيَّة، ثمَّ التَّقرُّب ظاهر، انتهى.
وقال غيره إن أُريدَ بـ (من) كونها جنسيَّة أو تَبْعيضيَّة، فالنَّظر متَّجه، وإن أُريدَ كونها ابتدائيَّة؛ أي الفرار من الفتنة منشؤه الدِّين، فلا يتَّجه النَّظر، وهذا الحديث قد ساقه البخاريُّ أيضًا في (كتاب الفتن) وهو أليق المواضع.