فائدة الضَّمير المستتر في (جَلَسَ) والضَّمير البارز والمستتر في (جَهدها) للرَّجل والمرأة، وإن لم يجر لهما ذكر فهو مِنَ المضمر الَّذي يفسِّره سياق الكلام؛ لقوله تعالى {حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ} [ص 32] ، وكذا قوله (بَيْنَ شُعَبِهَا) من هذا الباب.
فائدة وجه دلالة الحديث على التَّرجمة أنَّ المراد من الجهد التقاء الختانين، وروت عائشة رضي الله تعالى عنهَا عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم «إذا جلس بين شعبها الأربع ومسَّ الختان الختان؛ فقد وَجب الغسل»
فائدة قال النَّوويُّ معنى الحديث أنَّ إيجابَ الغسل لا يتوقَّف على نزول المني، بل متى غيبت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرَّجل والمرأة، ولا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف، ثمَّ انعقد الإجماع عليه، وأَمَّا حديث «إنَّما الماء من الماء» فقالوا منسوخٌ، ويعنون بالنَّسخ أنَّ الغسل من الجماع بغير إنزالٌ كان ساقطًا، ثمَّ صار واجبًا، وَذَهَب ابنُ عبَّاسٍ إلى أنَّه ليس مَنْسوخًا، بَل المراد به نفي وجوب الغسل بالرُّؤية في النَّوم إذ لم ينزل، وهذا الحكم باقٍ بلا شكٍّ، وأمَّا حديث «إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وَجَب الغسل» فمَعْناه إذا غيَّب ذكرَه في فَرْجها، وليس المراد حقيقة المسِّ، وذلك أنَّ ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسُّه الذَّكر في الجماع، وقد أجمعوا على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه؛ لا يجب الغسل لا عليه ولا عليها، فدلَّ على أنَّ المراد مَا ذكرناه، والمراد بالمماسَّة المحاذاة، وكذا إذا التقى الختانان؛ أي تحاذيا.
إن قلتَ المنسوخ لا بدَّ وأن يكون حكمًا شرعيًّا، وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابتٌ بالأصل؛ قلتُ عدمه ثابتٌ بالشَّرع، إذ مفهوم الحصر في إنَّما يدلُّ عليه؛ لأنَّ معنى الحَصْر إتيان المذكور، ونفي غير المذكور، فيفيد أنَّه لا ماء من غير الماء، والمراد من الماء الأوَّل في الحديث ما يغسل به، ومن الثَّاني المني.
هذا ثمَّ الرَّاجح بين الحديثين حديث التقاء الختانين؛ لأنَّه بالمنطوق يدلُّ على وجوب الغسل، وحديث «إنَّما الماء من الماء» بالمفهوم يدلُّ على عدَمه وحجيَّة المَفْهوم مُخْتلف فيهَا، وعلى تَقْدير ثبوتها المنطوق أقوى مِنَ المَفْهوم، وعلى هذا التَّقْرير لا يُحتاج إلى القول بالنَّسخ.
إن قلتَ حديث الالتقاء مطلقٌ، وحديث «إنَّما ... » مُقَيَّدٌ، فيجب حمل المطلق على المقيَّد؛ قلتُ ليس ذلك مُطْلقًا، بَلْ عامًّا؛ لأنَّ الالتقاء وصفٌ يترتَّب الحكم عليه، فكلَّما وُجِدَ الوصف
ج 1 ص 205
وُجِدَ الحكم، وهذا ليس مقيَّدًا، بل مطلقًا خاصًّا، وكأنَّه قال بالالتقاء يجب الغسل، ثمَّ قال بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل، فيصير من باب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم «أيَّما إهاب دُبِغَ؛ فقد طهر» وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم «دباغها طهورها» ، وإفراد فرد من العامِّ بحكم العامِّ ليس من المخصَّصات.
إن قلتَ لم لا يجوز أن يُراد بالجَهْد الإنزال؛ لأنَّه هو الغاية في الأمر؛ قلتُ لأنَّ الرِّوايات الأخر مُبيِّنةٌ له، ولأنَّ لفظ الجهد مشعر بالاختيار، والإنزال لا اختيار للرَّجل فيه.
قوله (تَابَعَهُ عَمْرُو) بن مرزوق عن شعبة وقال موسى موسى قال سيِّدي ظهر لي أنَّه التَّبوذكيُّ، و (أَبَانْ) ظهر لي أنَّه العطَّار ابن يزيد، انتهى، وفيهما جزم الكرمانيُّ من غير توقف.
قوله (حَدَّثَنَا أَبَان، حَدَّثَنَا قَتَادَةَ ... أَخْبَرَنَا الحَسَنُ مِثْلَهُ) شعبة، سمع من قتادة ومن الحسن، فهذا اللَّفظ يحتمل أن يُراد به عن شعبه عن قتادة، أو عن شعبة عن الحسن، فيختلف ضمير (تابعه) بحسب المرجع، ولمَّا روى قتادة أوَّلًا بلفظ (عن) وهو من المدلِّسين؛ ذكر ثانيًا بلفظ إلى الحسن؛ للتَّصريح بسماعه من الحسن.
إن قلتَ لم قال (تابعه عمرو، وقال موسى) ولم يسلك فيهما طريقًا واحدًا؛ قلتُ المتابعة أقوى؛ لأنَّ القول أعمَّ من الذِّكر على سبيل النَّقل والتَّحميل، أو من الذِّكر على سبيل المحاورة والمذاكرة، فأراد الإشعار بذلك، واعلم بأنَّه يحتمل سماع البخاريِّ من عمرو وموسى، فلا يحرم بأنَّه ذكرها على سبيل التَّعليق.