فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 6723

20 -قوله (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام وهو الصَّحيح الَّذي عليه الاعتماد، ولم يَذْكر جمهور المحقِّقين غيرَه، وذكر بعضهم أنَّ التَّشديد لحن.

وادَّعى صاحب «المطالع» أنَّ التَّشديد هو رواية الأكثر، فقيل إنَّها مخالفة للمشهور، إلَّا أن يريد روايةَ أكثر روايةِ شيوخه.

قوله (لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) الهيئة الحالة والصُّورة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه السَّلام، فلا بدَّ من تأويله في أحد الطَّرفين، فقيل المراد من (كهيئتك) كمثلك؛ أي كذاتك

أو كنفسك وزِيْدَ لفظ (المثل) للتَّأكيد، نحو مثلك لا يَبْخلُ، أو من (لسنا) ليس حالنا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامَه، واتَّصل الفعلُ بالضَّمير، فقيل لسنا.

قوله (إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَكَ) اقتباس ممَّا قال، فقال {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح2] .

إن قلت الأنبياء مَعْصومون من الكبائر مطلقًا، ومن الصَّغائر عمدًا على الأصحِّ، وأمَّا الصَّغائر السَّهويَّة؛ لا مؤاخذةَ بهَا على مُكلَّف أصلًا، أوْ نُسِبَ إلىه ذنب قومه، وقالوا ذلك رغبةً في الزِّيادة في الأعمال لما عملوا من دَأبِهِ فيهَا مع كثرة ذنوبهم، وغفران مَا تقدَّم له وما تأخَّر، فحينئذٍ إنَّما غضب لأنَّه أولى منهم بالعمل لعلمه بما عنده، تعالى وعظم خشيته لقوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر28] .

وقيل قالوه لمِا علموا منه من طلب التَّيسير عليهم، وظنِّهم أنَّه لا ينجِّيهم إلَّا بلوغ الغاية في العبادة.

قوله (فَغَضِبَ) وفي بعضها (فيغضب) وهو وإن كان بلفظ المضارع، لكنَّ المقصود حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصُّورة للواقع الحاضر فيه.

قوله (حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ) هو الرِّواية ويجوز فيه الرَّفع، وثمَّ يقول أيضًا جاز فيه الرَّفع والنَّصْب، ولو عُطِفَ على (فيغضب) يتعيَّن فيه الرَّفع.

فائدة قوله (أَتْقَاكُمْ) إشارة إلى كمال القوَّة العمليَّة و (أَعْلَمَكُمْ) إلى كمال القوَّة العلميَّة.

والتَّقوى ثلاث مراتب وقاية النَّفس عن الكفر؛ وهو للعامَّة، وعن المعاصي؛ وهو للخاصَّة، وعمَّا سوى الله سبحانه؛ وهو لخواصِّ الخواصِّ.

والعلم بالله تعالى يُتنَاول ما بصفاته، وهو المسمَّى بأصول الدِّين، وما بأحكامه؛ وهو فروع الدِّين، ما بكلامه؛ وهو علم القرآن وما يتعلَّق به، وبأفعاله؛ وهو معرفة حقائق أشياء العالم.

ولمَّا كان عليه السَّلام جامعًا لأنواع التَّقوى، حاويًا لأقسام العلوم، مَا خصَّص التَّقوى ولا العلم، وأطلق وهذا قريب ممَّا قال أهل المعاني قد يُقْصَد بالحذف إفادة العموم والاستغراق، ويعلم منه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما أنَّه أفضل من كلِّ أحد وأكرم عنده سبحانه وأكمل؛ لأنَّ كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلميَّة والعمليَّة، وهو الَّذي بَلَغَ الدَّرَجَة العُلْيا والمرتبة الأقصى منهمَا، يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع معًا أيضًا حيث قال «أتقاكم وأعلمكم» خطابًا للجميع صلَّى الله عليه وسلَّم.

إن قلت لا تعلُّق للحديث بالجزء الثَّاني من التَّرجمة؛ وهو أنَّ المعرفة فعل القلب، ولا دلالة له عليه لا دلالة وَضْعيَّة ولا عَقْليَّة؛ قلتُ يمكن أن توجِّه، وإن كان احتمالًا بعيدًا، فإنَّه يدلُّ عليه بحسبِ السِّياق ليتجاوب طرفا الكلامين؛ أي لمَّا أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ قال عليه السَّلام لهم لا يتهيَّأ لكم ذلك لأنِّي أعلمكم، والعلم من جملة الأفعال، بل من أشرفها؛ لأنَّه عمل القلب، وأن يقال بأنَّ غرضه أن يبيَّن الشَّقَّ الأوَّل من التَّرجمة بالحديث، والثَّاني بالقرآن.

وههنا ننبِّهك على قاعدة كليَّة؛ فاعلمها وذلك أنَّ البخاريَّ كثيرًا ما يترجم الأبواب، ولا يذكر في ذلك الباب حديثًا أصلًا، أولا يذكر مَا يُثبت ما ترجم الباب عليه، فقال شيوخنا من حفاظ الشَّام سببه أنَّ البخاريَّ بوَّب الأبوابَ وترجم التَّراجم أوَّلًا ثمَّ كان يَذْكر بعدَه في كلِّ باب الأحاديث المناسبة له بالتَّدريج، فلم يتَّفق له إثبات الحديث لبعض التَّراجم حتَّى انتقل إلى دار الآخرة رحمه الله تعالى.

وقال بعض العراقييِّن عمل ذلك اختيارًا، وغرضه أن يبيِّن [بأنَّه لم] يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى [الذي] ترجم عليه، والله تعالى أعلم، فيحتمل أن تكون هذه التَّرجمة منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت