2 -فائدة مالكٌ هو أحد الأئمَّة السِّتَّة أصحابِ المذاهب المتبوعة في الأمصار؛ وهم هو وأبو حنيفة والشَّافعيُّ وأحمد وسفيان الثَّوريُّ وداود، وقد جمعهم أبو الفضل يحيى الحصكفيُّ الشَّافعيُّ، فقال
~وإن شئت أركان الشَّريعة فاستمع لتعرفهم واحفظ إذا كنت سامعًا
~محمَّد والنُّعمان مالكُ أحمد وسفيان واذكر بعد داودَ تابعًا [1]
حملت به أمُّه ثلاث سنين.
فائدة قال العلماء أزواجه عليه السَّلام أمَّهات المؤمنين في وجوب احترامهنَّ وتحريم نكاحهنَّ لا في جواز الخلوة والنَّظر، ويحرم نكاح بناتهنَّ.
وهل يُقال لإخوتهنَّ أخوال المؤمنين ولأخواتهنَّ خالاتهم ولبناتهنَّ أخواتهم؟ فيه خلاف، ولا يُقال لآبائهنَّ وأمَّهاتهنَّ أجداد المؤمنين وجدَّاتهم، وهل يُقال أنَّهنَّ أمَّهات المؤمنات؟ مبنيٌّ على الخلاف المعروف في أصول الفقه أنَّ النِّساء هل يدخلن في خطاب الرِّجال؟ قالت عائشة (أنا أمُّ رجالكم لا أمُّ نسائكم) [2] .
وهل يُقال للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أبو المؤمنين؟ الأصحُّ الجواز، ومعنى قوله تعالى
ج 1 ص 11
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّنْ رِّجَالِكُمْ} [الأحزاب40] ؛ أي لصلبه [3] ، انتهى.
شيخنا (إنَّما قيل للواحدة منهنَّ أمُّ المؤمنين للتَّغليب، وإلَّا فلا مانع أن يقال لها أمُّ المؤمنات على الرَّاجح) [4]
فائدة قوله (سَأَلَ) فيُحتمَل أنَّ عائشة حضرت ذلك، وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف فأخرجوه في مسندها، ويحتَمَل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد، فيكون مِن مراسيل الصَّحابة، وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور، وقد جاء ما يؤيِّد الثَّاني [في] «مسند أحمد» [5] و «معجم البَغويِّ» وغيرهما مِن طريق عامر بن صالح عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث قال سألتُ، وعامر فيه ضعف، وله متابع عند ابن منده، والمشهور الأوَّل.
قوله (كَيْفَ يَأْتِيْكَ الوَحْيُ) إسناد الإتيان إلى الوحي مِن باب المجاز، ومثله يُسمَّى بالمجاز العقليِّ، والمجاز في الإسناد، وأصله كيف يأتيك حامل الوحي؟ فأُسنِد إلى الوحي للملابسة الَّتي بين الحامل والمحمول، وتارةً تُسمَّى الاستعارة بالكناية؛ أي شبَّه الوحي برجل مثلًا، وأُضيف إلى المشبَّه الإتيان الَّذي هو مِن خواصِّ المشبَّه به، ثمَّ لعلَّ المراد منه السُّؤال عن كيفيَّة ابتداء الوحي، أو عن كيفيَّة ظهور الوحي؛ ليوافق ترجمة الباب؛ قاله الكرمانيُّ [6] .
وقال ابن الملقِّن (هو بيان لكيفيَّة الوحي لا لكيفيَّة تدبُّره) [7] .
شيخنا(يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفةُ الوحي نفسه، ويُحتمَل أن يكون صفة حامله أو ما هو أعمُّ مِن ذلك، وعلى كلِّ تقدير فإسناد الإتيان إلى الوحي مجازٌ؛ لأنَّ الإتيان حقيقة مِن وصف حامله.
اعترض الاسماعيليُّ فقال «هذا الحديث لا يصلح لهذه التَّرجمة، وإنَّما المناسب لكيفيَّة بَدء الوحي الحديث الَّذي بعده، وأمَّا هذا فهو لكيفيَّة إتيان الوحي لا لبَدء الوحي» .
قال الكرمانيُّ «لعلَّ المراد منه السُّؤال عن كيفيَّة ابتداء الوحي أو عن كيفيَّة ظهور الوحي، فيوافق ترجمة الباب» [8] .
قلتُ سياقه يُشعر بخلاف ذلك؛ لإتيانه بصيغة المستقبل دون الماضي، لكن يمكن أن يُقال إنَّ المناسبة تظهر مِنَ الجواب؛ لأنَّ فيه إشارة إلى انحصار صفة الوحي أو صفة حامله في الأمرين فيشمل حالة الابتداء، وأيضًا فلا أثر للتَّقديم والتَّأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة، فضلًا عن أنَّا قدَّمنا أنَّه أراد البداءة بالتَّحديث عن إمامَي الحجاز فبدأ بمكَّة ثمَّ ثنَّى بالمدينة، وأيضًا فلا يلزم أن تتعلَّق جميع أحاديث الباب ببدء الوحي، بل يكفي أن يتعلَّق بذلك وبما يتعلَّق بالآية أيضًا، وذلك أنَّ أحاديث الباب تتعلَّق بلفظ التَّرجمة وبما اشتملت عليه، ولمَّا كان في الآية أنَّ الوحي إليه نظيرُ الوحي للأنبياء قبله؛ فناسب تقديم ما يتعلَّق بهذا، وهو صفة الوحي وصفة حامله، إشارةً إلى أنَّ الوحي إلى الأنبياء لا تبايُنَ فيه، فحسُنَ إيراد هذا الحديث عقب حديث «إنَّما الأعمال» الَّذي تقدَّم التَّقدير بأنَّ تعلُّقه بالآية أقوى تعلُّق) [9] .
قوله (أَحْيَانًا) انتصب على الظَّرفيَّة، وعامله (يَأْتِيْنِي) مؤخَّرٌ عنه، و (أحيانًا) أي أوقاتًا.
قوله (مِثْلَ) هو حال؛ أي يأتيني مشابهًا صوتَ صَلصَلة الجرس، وهو بفتح الصَّادين المهملتين، وهو الصَّوت المتدارك الَّذي لا يُفهَم لأوَّل وهلة.
وقيل الحكمة في ذلك أن يقرع سمعه، ولا يَبْقى فيه مكانٌ لغير صوت الملَك، ولا في قلبه.
وقال الزَّركشيُّ (منصوبٌ نعتٌ لمصدرٍ محذوف؛ أي إتيانًا مثل) [10] .
إشارة العامَّة تقول (جرص) بالصَّاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصَّاد و الجيم إلَّا (الصَّمِج) وهو القنديل، وأمَّا الجِصُّ فمعرَّب.
قوله (فَيُفْصَمُ) فيه ثلاث روايات؛ فتح الياء وكسر الصَّاد [11] ، وضمُّ الباء وفتح الصَّاد [12] ، مِنَ الفَصم، هو القطع، {لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة256] ، لا انقطاع، ويقال الفَصمُ الصَّدعُ أو الشَّقُّ مِن غير إبانة؛ فمعناه حينئذٍ فيفارقني على أنَّه يعود، و (القَصم) ؛ بالقاف؛ الكسر مع الإبانة [13] ، وهذا معنى مَا يدَّعيه الاشتقاقيُّون مِن مناسبة اللَّفظ للمعنى الموضوع له؛ إذ لمَّا كان القاف مِنَ الحروف الشَّديدة والقلقلة الَّتي فيها ضغط وشدَّة؛ اعتُبِر في معناه مُناسبتُه لذلك، بخلاف الفاء، فإنَّه مِنَ الحروف الرِّخويَّة.
والرِّواية الثَّالثة ضمُّ الياء وكسر الصَّاد [14] ، مِن أفصَمَ المطر؛ إذا أقلع، والمراد مِنَ القطع إمَّا قطع الوحي؛ أي مفارقة الملَك مثلًا، وإمَّا قطع الشِّدَّة؛ أي ينجلي عنِّي مَا يتغشَّاني مِنَ الكرب والشِّدَّة، ويُحتمَل أن يكونَ مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله [15] .
لفظة (عَنِّي) فيكون مِن مُتمِّ الشِّدَّة؛ أي هو أشدُّ عليَّ بحيث يَنْقطع من بَدني شيءٌ.
قوله (وَعَيْتُ) بفتح الواو حفظت وجمعت.
(يَتَمَثَّلُ) مشتقٌّ مِنَ المثال؛ أي يتصوَّر وهو أن يتكلَّف أن يكون مثالًا لشيء وشبيهًا له.
واللَّام في (المَلَكُ) للعهد؛ أي جبريل.
قوله (رَجُلًا) منصوب، إمَّا بالمصدريَّة؛ أي يتمثَّلُ تمثُّلَ رجلٍ، وإمَّا بالمفعوليَّة؛ أي ضمَّن (يتمثَّلُ) معنى اتَّخذ، أي اتَّخذ المَلَك رجلًا مثالًا، وإمَّا بالحاليَّة.
فإن قلت الحال لا بدَّ أن يكون دالًّا على الهيئة، والرَّجل ليس هيئة.
قلتُ معناه على هيئة رجلٍ.
فإن قلت ليس التَّمثُّل في حال هيئة الرَّجل، ومِن شرط الحال أن يكون حالًا عند صدور الفعل؛ قلتُ يكون حالًا مقدَّرة، وذلك كثير، وإمَّا بالتَّمييز [16] .
قوله (قَالَتْ عَائِشَةُ) يُحتمَل أن يكون داخلًا تحت هذا الإسناد، سيَّما إذا جوَّزنا العطف دونَ حرف العطف ظاهرًا، كما هو مذهب بعض النُّحاة صرَّح به ابن مالك في الشَّواهد به [17] .
ويُحتمَل ألَّا يكون داخلًا تحته، بل كان ثابتًا بإسنادٍ آخر، والبخاريُّ إنَّما ذكره ههنا على سبيل التَّعليق؛ تأييدًا لأمر الشِّدَّة وتأكيدًا له؛ كما هو عادته في تراجم الأبواب حيث يذكر ما وَقع له مِنَ قرآنٍ أو سنَّة مساعدًا لها.
قوله (لَيَتَفَصَّدُ) هو بالصَّاد المهملة والفاء، وصحَّفه بعضهم بالقاف [18] ، و (عَرَقًا) منصوبٌ على التَّمييز، و (التَّفصُّد) السَّيلان، و (الفَصْد) قطع العِرْقِ لإسالة الدَّم، وشبَّه جبينه بالعرق المفصود؛ للمبالغة في كثرة العَرَق، كما أنَّ باب التَّفصُّد يدلُّ عليهَا، وكذا ذكر التَّمييز وهو (عرقًا) ؛ لأنَّه توضيحٌ بعد إبهام، وتفصيلٌ بعد إجمالٍ.
وكذا قولها (فِي اليَوْمِ الشَّدِيْدِ البَرْدِ) كما أنَّ فيه دلالة على كِبَرِ معاناته؛ التَّعب والكرب عند نزول الوحي، وأنَّ الملَكَ جاء له يتشكَّل بشكل البشر، قال المتكلِّمون الملائكة أجسام عُلويَّة لطيفةُ الشَّكل تتشكَّل بأيِّ شكل شاؤوا [19] .
قوله (هُوَ أَشَدُّهُ) يُعلَم منه _لأنَّه (أفعل) التَّفضيل_ أنَّ الوحيَ كان إذا ورد عليه عليه السَّلام أصابه مشقَّة وشدَّة وتغشَّاه كرب؛ لثِقَلِ ما يُلقَى عليه، لكنَّ النَّوع الأوَّل أشدُّ عليه مِنَ النَّوع الثَّاني، وذلك لأنَّ الفهم مِن كلامٍ مثل صلصلةٍ؛ أشكل مِنَ الفهم مِن كلام الرَّجل المتكلِّم على الطَّريقة المعهودة عند التَّخاطب، أو لأنَّ سنَّة الله لمَّا جَرت مِن أنَّه لابدَّ مِن مناسبةٍ بين القائل والسَّامع حتَّى يصحَّ بينهما التَّحاور والتَّعليم والتَّعلُّم، فتلك المناسبة إمَّا باتِّصاف السَّامع بوصف القائل لغَلَبَة الرُّوحانيَّة عليه، وهو النَّوع الأوَّل، أو باتِّصاف القائل بوصف السَّامع وهو النَّوع الثَّاني.
والدَّليل عليه تمثُّله رجلًا، كما أنَّ الدَّليل على الأوَّل كونه قسيمًا له ثمَّ لا شكَّ أنَّ الأوَّل أشدُّ، وقد تبيَّن وجه الحصر فيهما مِن هذا التَّقدير، ويمكن أيضًا أن يُقال إنَّه لا يخلو إمَّا أن يرى القائل متمثِّلًا بشرًا سويًّا أو لا، أو لا يخلو مِن أن يكون المقول كلامًا ظاهرًا مفهومًا بلا زيادةِ مشقَّةٍ أم لا.
فإن قلت هنا نوعٌ آخر وهو الرُّؤيا الصَّالحة؛ قلتُ المقصود مِنَ السُّؤال كان طلب بيان ما يختصُّ به، ويَخْفى ولا يُعْرف، والرُّؤيا معروفة فلا دَخلَ لها فيه، أو كان ظهور ذلك على الشَّارع في المنام أيضًا؛ إمَّا بصَلصَلة الجرس و إمَّا بتمثُّل الملَك، أو كان السُّؤال عن كيفيَّة الوحي في حال اليقظة، أو كان عند السُّؤال نزول الوحي على هذين الوجهين؛ إذ الوحي على سبيل الرُّؤيا إنَّما هو في أوَّل البِعثة كان أوَّل ما بُدِئ به الشَّارع مِنَ الوحي الرُّؤيا، ثمَّ حُبِّبَ [إليه الخلاء] .
فائدة إن قلت السُّؤال عن كيفيَّة إتيان الوحي والجواب على النَّوع الثَّاني عن كيفيَّة الحامل للوحي.
قلتُ لا نسلِّم أنَّ السُّؤال عن كيفيَّة إتيان الوحي، بل عن كيفيَّة حاملِه، ولئن سلَّمنا بأنَّ كيفيَّة الحامل مُشعرة بكيفيَّة الوحي، حيثُ قال «فيكلِّمني» ؛ أي تارةً يكون كالصَّلصلة،
ج 1 ص 12
وتارة يكون كلامًا صريحًا ظاهرًا لفهم الدَّلالة.
فائدة يُحتمَل أنَّ الله تعالى يُفْني الزَّائد مِن خَلْقه، ثمَّ يعيده إليه، ويحتمل أنَّه يُزيله عنه ثمَّ يعيده إليه بعد التَّبليغ، وأمَّا التَّداخل؛ فلا يصحُّ على مذهب أهل الحقِّ [20] .
وقال ابن عبد السَّلام (إن قيل إذا لَقِي جبريل النَّبيَّ عليه السَّلام في صورة دحية؛ فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد الَّذي له ستُّ مئة جناح، فالَّذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الَّذي هو في صورة دحية؛ فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا مِنَ الرُّوح المُنْتَقِلة عنه إلى الجسد المشبَّه بجسد دحية، ثمَّ أجاب بأنَّه لا يَبْعد ألَّا يكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسدُ حيًّا لا يَنْقُص مِن مَعَارفه شيءٌ، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثَّاني كانتقال أرواح الشُّهداء إلى أجواف طيرٍ خُضْر، قال وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجبٍ عقلًا، بل بعادةٍ أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا يَلْزم في غيرهم) [21] انتهى.
وقال شيخنا في «فتحه» عن البلقينيِّ (يجوز أن يكون هو جبريل بشكله الأصليِّ، إلَّا أنَّه انضمَّ، فصار على قدر هيئة الرَّجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثَّله بالقِطن إذا جُمِعَ بعد الانتفاش) [22] انتهى.
وقد رأيتُ بعض مؤلَّف البلقينيِّ على «البخاريِّ» ونقلتُ منه فوائد في «التَّعليق الكبير» أعانني الله تعالى على إكماله، ورأيتُ في (باب ذكر الملائكة) مِن «شرح ابن الملقِّن» كلام الكلاباذيِّ على هذا الكتاب، وردَّه ابن الملقِّن [23] .
تنبيه حكى القرافيُّ خلافًا للعلماء في ابتداءِ الوحي، هل كان جبريل عليه السَّلام ينقل له مَلَكٌ عن الله تعالى؟ أو يُخلَق له علمٌ ضروريٌّ بأنَّ الله تعالى طلب منه أن يأتيَ النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وغيره مِنَ الأنبياء بسُوَر كذا، أو خَلَق له علمًا ضروريًّا بأن يأتي اللَّوح المحفوظ فينقل منه [24] ، انتهى.
وقال القاضي أبو يعلى(ولا قُدرة للشياطين على تغيير خَلْقتهم والانتقال في الصُّور، وإنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله كلمات وضربًا مِن ضروب الأفعال إذا فعلوه وتكلَّموا به؛ نقلهم الله مِن صورةٍ إلى صورة، فيقال إنَّه قادرٌ على التَّصوير والتَّخييل، على معنى أنَّه قادرٌ على قول إذا قاله وفعله؛ نقله الله عن صورته إلى صورةٍ أخرى بجَريِ العادة، وأمَّا أن يصوِّر نفسه؛ فذاك محالٌ؛ لأنَّ انتقالها مِن صورةٍ إلى صورة إنَّما يكون بنقص البِنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقصت؛ بطلت الحياة واستحال وقوعُ الفعل في الجملة، فكيف تنقل نفسها؟!
قال وللقول في تشكُّل الملائكة مثل ذلك، ورَوى ابن أبي الدُّنيا عن يُسَيْر بن عَمرو قال ذكرنا الغِيلان عند عمر، فقال إنَّ أحدًا لا يَسْتطيع أن يتغيَّر عن صورته الَّتي خلقه الله تعالى، ولكن لهم سَحَرَةٌ كسَحَرَتِكُم، فإذا رأيتم ذلك؛ فأذِّنوا [25] ) [26] ، انتهى، وسُئِلَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الغِيلان فقال «هم سَحَرَةُ الجنِّ» ، وقد قال كثيرٌ مِنَ النَّاس إنَّ الملائكة والجنَّ إنَّما تُوصَف بأنَّها قادرة على التَّمثُّل والتَّصوُّر على معنى أنَّها تقدر على تخييله وفعله، فتُوهِم عند انتقالها عن صورة فيدرك الرَّائي ذلك تخييلًا، ويظنُّون أنَّ المرئيَّ مَلَك أو شيطان، وإنَّما ذلك خيالات واعتقادات ينقلها الله تعالى عند فعل البشر النَّاظرين فأمَّا أن ينتقل أحدٌ عن صورته على الحقيقة إلى غيرها فذلك مُحال.
وإن قلت لِمَ قال في الأوَّل (وعيتُ ما قال) بلفظِ الماضي، وفي الثَّاني (فأعي مَا يقُول) بلفظ المضارع؟
قلتُ لأنَّ الوعيَ في الأوَّل حصل قبلَ الفَصْم، ولا يُتَصوَّر بعدَه، وفي الثَاني الوعي حالُ المكالمةِ، ولا يُتَصوَّر قبلها، ولأنَّه كان الوعي عند غلَبة التَّلبُّس بالصِّفاتِ المَلَكيَّة، فإذا عاد إلى حالته الجِبِلِّيَّة، كان حافظًا يحفظه في الحال، فأخبر مِنَ الماضي بخلاف الثَّاني، فإنَّه على حالته المعهودة، أو يقول لفظة (قد) تقرِّب الماضي إلى الحال، و (أعي) فعلٌ مضارعٌ للحال، فهذا لما كان صريحًا، وذاك قد يقرُب مِن أن يحفظه؛ إذ يحتاج فيه إلى استثباتٍ، والله سبحانه أعلم [27] .
فائدة الخطَّابيُّ ( «يَفْصِمُ عَنِّي» أي ينجلي مَا يتغشَّاني مِنَ الكَرْب والشِّدَّة، والمعنى أنَّ الوحي كان إذا ورد عليه عليه السَّلام؛ تغشَّاه كرب وذلك لثِقَل ما يُلْقَى عليه مِنَ القول وشدَّة ما تأخذ به نفسه من جَمْعِه في قَلْبه وحسن حفْظه، فيَعتريه لذلك حالةٌ كحالة المحموم، وهو مَعْنى ما رُوِيَ أنَّه يأخذه عند الوحي الرُّحَضَاء؛ أي العَرق، وجملةُ الأمر فيما كان يناله مِنَ الكَرْب عندَ الوحي هي شدَّة الامتحان له؛ ليبلوَ صبرَه ويحسن تأدَّبه فيرتاض لاحتمال ما كُلِّف مِن أعباء النُّبوَّة، أو ذلك لِمَا يستشعره مِنَ الخوف؛ لوقوع تقصير فيما أُمِرَ به مِن حُسْن ضبطه أو اعتراض خَلَل دونه، وقد أُنذِر عليه السَّلام بما ترتاع له النُّفوس ويعظُم به وَجَلُ القلوب في قولِه تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} الآية [الحاقَّة44] ) [28] .
أقول حاصله أنَّ الشَّدة إمَّا لتحسين حفظه، وإمَّا لابتلاء صبره، وإمَّا للخوف مِنَ التَّقصير [29] .
أمَّا وقوله (يَأْتِيْنِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ) فإنَّه يريد أنَّه صوتٌ متدارك يسمعه ولا يستبينه عند أوَّل ما يَقْرع سمعه حتَّى يتفهَّم ويستثبت، فيتلقَّنه حينئذٍ ويعيه، فلذلك قال «وهو أشدُّه عليَّ» وقيل الحكمة في أن يتفرَّغ سمعه ولا يبقى فيه مكانٌ لغير صوت الملَك ولا في قلبه.
قوله (يُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُوْلُ) رواه البيهقيُّ مِن جهة القعنبيِّ عن مالك (فيعلِّمني) بالعين المهملة بدل الكاف [30] .
[1] انظر «طبقات الشافعية الكبرى» (7/ 331) ، «الكواكب الدراري» (1/ 24) .
[2] أخرجه بنحوه البيهقي في «سننه الكبرى» (13804) .
[3] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 25) ، «التوضيح» (2/ 210 - 211) ، وانظر «فتح العزيز» (7/ 457) ، «روضة الطالبين» (7/ 11 - 12) .
[4] «فتح الباري» (1/ 26) .
[5] «مسند أحمد» (42/ 146) .
[6] «الكواكب الدراري» (1/ 26 - 27) .
[7] «التوضيح» (2/ 220) .
[8] «الكواكب الدراري» (1/ 27) .
[9] انظر الكلام بطوله في «فتح الباري» (1/ 26، 27) .
[10] «التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح» (1/ 7) .
[11] وهي رواية أبي الوقت.
[12] وهي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت.
[13] انظر «النهاية» لابن الأثير (4/ 74) ، مادة (قصم) .
[14] انظر «مصابيح الجامع» (1/ 22) .
[15] «الكواكب الدراري» (1/ 27) .
[16] في الأصل (التميز) ، «الكواكب الدراري» (1/ 27) .
[17] انظر «شواهد التوضيح» (ص 104) (15) .
[18] انظر «التلقيح» (1/ 9/ب) .
[19] انظر «التعريفات» للجرجاني (ص 296) .
[20] «التوضيح» (2/ 228، 229) .
[21] «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (2/ 385) ، «التوضيح» (2/ 228 - 229) .
[22] «فتح الباري» (1/ 29) .
[23] انظر «التوضيح» (19/ 75) .
[24] انظر «التوضيح» (2/ 225) .
[25] أخرجه ابن أبي الدنيا في «مكائد الشيطان» (2/ 10) ، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (30361) .
[26] انظر «إرشاد الساري» (5/ 304) .
[27] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 28 - 29) ، «فتح الباري» (1/ 29) .
[28] «أعلام الحديث» (1/ 120 - 124) .
[29] انظر القلام بتمامه في «الكواكب الدراري» (1/ 29) .
[30] «السنن الكبرى» (13724) .