فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 6723

174 -قوله (كَانَتِ الكِلَابُ) إن قلتَ هذا التَّركيب يشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ في زمن رسول الله دالٌّ على عموم جميع الأزمنة، إذ اسم الجنس المضاف من الألفاظ العامَّة.

وفي (فَلَمْ يَكُوْنُوا يَرُشُّونَ) مبالغةٌ، ليس في قولك فلم يرشُّوا بدون لفظ الكون، كما في قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال33] ، حيث لم يقل وما يعذِّبهم الله، وكذا في لفظ الرَّشِّ، حيث اختاره على لفظ الغسل؛ لأنَّ الرَّشَّ ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل، فإنَّه يُشترَط فيه الجريان، فنفي الرَّشِّ يكون أبلغ من نفي الغسل.

ولفظ (شَيْئًا) أيضًا عامٌّ؛ لأنَّه نَكِرَةٌ وقعت في سياق النَّفي، وهذا كلُّه للمبالغة في طهارة سؤره، إذ في مثل هذه الصُّورة الغالب أنَّ لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرَّر الرَّسول ذلك ولم يأمره بغَسْله قط عُلِمَ أنَّه طاهرٌ؛ قلتُ لا دلالة له على ذلك، إذ تقرير الرَّسول عليه السَّلام إنَّما كان لأنَّ طهارة المسجد متيقنةٌ ونجاسته مشكوكٌ فيها، واليقين لا يُرفَع بالظَّنِّ فضلًا عن الشَّكِّ، وعلى تقدير دلالته فدلالته لا تعارض دلالة منطوق الحديث النَّاطق صريحًا بإيجاب الغسل حيث قال «فليغسله سبعًا» .

ثمَّ كما أنَّ الغالب من استمرارها ولوغه فيها الغالب منه أيضًا بوله فيه فيلزم أن يكون بوله طاهرًا أيضًا، وفي نسخة النَّسفيِّ عن البخاريِّ «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر» ، ولا قائل بطهارة بوله، فعُلِمَ أنَّه متروك الظَّاهر إمَّا لأنَّه كان في أوَّل عهد الإسلام قبل ثبوت حكم النَّجاسة، وإمَّا لأنَّهم كانوا يقلبون وجه الأرض النَّجس إلى الوجه الآخر، أو هو منسوخٌ ونحو ذلك، والظَّاهر أنَّ الغرض من إيراد البخاريِّ هذا الحديث بيان جواز ممرِّ الكلاب في المَسْجد فقط، وأنَّ النَّجاسة إذا كانت يابسة؛ لا ينجس المكان مع أنَّ الحديث نقله البخاريُّ بلفظ (قال) لا بلفظ حدَّثني ونحوه، وهو مِنْ نوازل الدَّرجات.

قوله (مِنْ ذَلِكَ) أي من المسجد، وهو إشارةٌ إلى البعيد، فالبعيد إمَّا بحسب المكان؛ بأن كان ابن عمر عند الرِّواية بعيدًا عن المسجد، وإمَّا بحسب المكانة؛ أي البعيد في المرتبة؛ أي ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فَهْم النَّاس، والفرق بين ذلك وهنالك؛ أنَّ هنالك للمكان خاصَّةً، وذلك أعمُّ منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت