112 -حديث أبي نعيم
قوله (ألا وإنَّها) (ألا) لها صَدْر الكلام والمناسب أن يقال بدون الواو نحو {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُوْنَ} [البقرة12] ،
ج 1 ص 119
لكنَّه هو عطف على مقدَّر؛ أي ألا إنَّ الله حبس عنهَا، وإنَّها لم تحلَّ لأحد.
إن قلتَ (لَمْ) لقلب المضارع ماضيًا، ولفظ (بعدي) للاستقبال، فكيف يجتعان؟ والظَّاهر ما في سائر النَّسخ من لا يحلُّ بكلمة (لا) .
قلتُ مَعْناه لم يحكم الله في الماضي بالحلِّ في المستقبل.
قوله (سَاعَتِيْ هَذِهِ حَرَامٌ) (حرام) خبرٌ لقوله (إنَّها) .
إن قلتَ مَا بال الخبر ليس مطابقًا للمبتدأ.
قلتُ لفظ حرام، وإن كان في الأصل صفة مشبهة، لكنَّه اضمحل وصفته بغلبة الاسميَّة عليه فتساوى التَّذكير والتَّأنيث فيه، أو أنَّه مَصْدرٌ يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث والتَّثنية والجَمْع.
قولهِ (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) وجاء (ولا تحلُّ لقطتها إلَّا لمنشد) وجاء (ولا يلتَقَط لقطتها إلَّا من عرفها) [قبل ح 2433] و (المُنْشد) المعرِّف، وأمَّا الطَّالب فيقال له ناشد، والمَعْنى على هذا لا تحلُّ لقطتها إلَّا لمن يريد أن يعرِّفها أبدًا من غير توقيتٍ بسنةٍ ثمَّ يملكها كغيره من البلاد، وبه قال الشَّافعيُّ [1] وابن مَهْديٍّ وأبو عُبيدٍ والدَّاوديُّ والباجيُّ وابن العَربيِّ والقرطبيُّ [2] ، وَذَهب مالك وبَعْض الشَّافعيَّة إلى أنَّها كغيرها في التَّعريف والتَّمليك [3] .
وحمل المازريُّ الحديث على المبالغة في التَّعْريف؛ لأنَّ الحاجَّ يرجع إلى بَلَده، وهو لا يعودُ إلَّا بعدَ أعوام، فتدعوا الضَّرورة لإطالة التَّعريف بهَا بخلاف غير مكَّة [4] ، وعن ابن راهويه والنَّضْر بنِ شُمَيْلٍ تَقْديره إلَّا من سَمع ناشدًا يقول من أضلَّ كذا فحينئذٍ يجوز رفعها إذا رآها ليردَّها على صاحبها، وقيل لا تحلُّ إلَّا لربِّها الَّذي يطلبها [5] .
قال أبو عبيد وهو جيِّدٌ في المَعْنى، لكن لا يجوز في العربيَّة أن يقال للطَّالب مُنْشد [6] ؛ قلتُ حكاه بعضهم فجعل النَّاشد المعرِّف، والمنشد الطَّالب؛ حكاه عيَّاضٌ عن الحَرْبيِّ [7] .
قوله (مَنْ قُتِلَ) له قتيلٌ (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْن) معلوم الكلام على قبيل المراد أهله، وأطلق عليه ذلك لأنَّه هو السَّبب له.
قوله (يُقَادَ) فيه ضميرٌ راجعٌ إلى المقتول، وفي بعضها (يفاد) بالفاء، يقال أفدتُ المال؛ أي أعظمتُ، وفي بعضها نفادًا، يُقال فداه وفاداه إذا أعطى فداءً.
إن قلتَ يلزم التَّكْرار سواء كان من الأجوف أو من النَّاقص، إذ هو بمَعْنى يَعْقل بعينه. قلتُ على هذا التَّقدير يخصِّص العقل بالدِّية الَّتي تتحمَّلها العاقلة، وهي ديَّة القَتْل الخطأ، والفداء بديةٍ يتحمَّلها الجاني، وهو من باب تنازع الفعلين على لفظ الأهل.
قوله (إِلَّا الإِذْخِرَ) بالذَّال المعجمة، ليس في كلام العبَّاس رضي الله تعالى عنه مَا يُسْتثنى الإذخر منه، لكنَّ مثله ليس مُسْتثنى، بل هو تلقين بالاستثناء مقامه، فكأنَّه قال قيل يا رسول الله! لا يختلى شوكها ولا يُعضَد شجرها إلَّا الإذخر.
وأمَّا الواقع في لفظ الرَّسول عليه السَّلام فهو ظاهرٌ أنَّه استثناء من كلامه السَّابق.
إن قلتَ كيف جاز وشرط الاستثناء الاتِّصال بالمستثنى منه، وههنا قد وقع الفاصل؟ قلت جاز الفصل عند ابن عبَّاس، فلعلَّ أباه جوَّز ذلك، أو الفَصْل كان يسيرًا وهو جائزٌ اتِّفاقًا، ولئن سلَّمنا عدم الجواز فيقدَّر تكرار لفظ لا يختلى شوكها، فيكون استثناء من المُعَادِ؛ لا من الأوَّل [8] وليس في هذا الحديث حجَّةٌ لمن جوَّز تفويض الحكم إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لاحتمال أنَّه عليه السَّلام أُوحِيَ إليه في الحال باستثناء الإذخر، أو أُوحِيَ إليه قبل ذلك أنَّه إن طلب أحدٌ استثناء شيء فاستثنه [9] .
واستدلَّ موسى بن عمران المعتزليُّ لوقوعه [10] بحديث ابنة النَّضْر بن الحارث «لو سمعت ما قتلتُ» [11] كذا قاله البيضاويُّ تبعًا للإمام [12] ، وهو مخالفٌ لكلام ابن هشام إنَّها قتيلة بنت الحارث أخت النَّضر [13] ، وفي رواية لا تقوم بها الحجَّة أنَّها ابنته، وقال السُّهيليُّ (إنَّها بنت النَّضْر، قال الزُّبير كذلك وقع في «الدَّلائل [14] » ) [15] والجواب عن هذا الحديث بوجوه
أحدها بما قاله [16] الزبير سمعت بعض أهل العلم أنَّها مصنوعة، وكذا قال ابن عمر [17] .
الثَّاني على تقدير صحَّته، فإنَّ
ج 1 ص 120
النَّضر كان أسيرًا والإمام مخيَّر في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمنِّ والفداء، كذا قاله العلَّامة تقيِّ الدِّين السُّبكيُّ [18] قال ولده (وعندي في هذا نظرٌ، فإنَّ الإمام وإن خُيِّرَ بين هذه الأشياء فلا خلاف بين الأصحاب أنَّه يجب رعاية المصلحة، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يخفى عليه وجه المَصْلحة، وما قتل النضر إلَّا وقد كان قتله مصلحة، ولا تزول هذه المصلحة بإنشاد أخته أبياتها هذه ولا يقال لعلَّ الحال كان مستويًا؛ لأنَّا نقول لا سبيل إلى ذلك، إذ لو فُرِضَ استواء؛ لكان الواجب عدم القتل) ، انتهى [19] .
[1] راجع «الحاوي» (8/ 12) .
[2] راجع «؟» (/) ، «؟» (/) ، «؟» (/) .
[3] انظر «المنهاج شرح مسلم» (9/ 126) .
[4] راجع «المُعْلم بفوائد مسلم» (2/ 115) .
[5] انظر «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (6/ 557) ، «التوضيح» (3/ 570) .
[6] راجع «غريب الحديث» (2/ 133) .
[7] «مشارق الأنوار» (2/ 28) .
[8] «الكواكب الدراري» (2/ 124) .
[9] «الكواكب الدراري» (2/ 124) .
[10] في الأصل (بوقوعه) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[11] ورُوي هذا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قاله لأبِي بَكْرٍ الصدِّيق رضي الله عنهُ يومَ بَدْرٍ، وذلك عندما بَلَغَه شِعْر قُتَيلَة بِنْت الحَارِث _أُخْت النَّضْرِ بْنِ الحَارِثِ، على قول ابْنِ هِشَامٍ_ وشعرها في عدَّة أبياتٍ هي
يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ
مِنِّي إلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ
هَلْ يَسْمَعَنِّي النَّضْرُ إنْ نَادَيْتُهُ أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ
أَمُحَمَّدُ يَا خَيْرَ ضَنْءِ كَرِيمَةٍ فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ
أَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفِقَنْ بِأَعَزَّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ
فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرْتَ قَرَابَةً وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ للَّه أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ
صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوثَقُ
راجع «السيرة النبوية» (2/ 42) ، «الدرر في اختصار المغازي والسير» (ص 107) .
[12] «نهاية السول» (ص 369) .
[13] راجع «السيرة النبوية» (2/ 42) .
[14] لم أقف عليه في «دلائل النبوة» .
[15] «الروض الأنف» (5/ 268) .
[16] في (خ 1) (ما قاله) وفي الأصل ضرب على (قاله) .
[17] «الاستيعاب» (4/ 1905) .
[18] راجع «الإبهاج في شرح المنهاج» (3/ 199) .
[19] «الإبهاج في شرح المنهاج» (3/ 199) .