فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 6723

111 -فائدة في مُسْند أبي يَعْلى الموصليِّ عن أنس بن مالك أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال «طلب العلم فريضة على كلِّ مُسْلم» ، ورواه صاحب «العوارف» بسنده، ثمَّ قال واختلف العلماء في العلم الَّذي هو فريضة، فقالَ بَعْضهم هو طلبُ علم الإخلاص، ومعرفة آفاتِ النُّفوسِ، وَمَا يُفْسد الأعمال؛ لأنَّ الإخلاصَ مأمورٌ به، كما أنَّ العمل مأمورٌ به.

قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِيْنَ} [البيِّنة5] ، فالإخلاصُ مأمورٌ به، وخدع النَّفس وغرورها ودنائسها وشهواتها الخفيَّة، فخرب ما في الإخلاص المأمور به، فصار علم ذلك فرضًا، حيث كان الإخلاص فرضًا، وما لا يصل العبد إلى الفرض إلَّا به صار فرضًا، وقال بعضهم مَعْرفة الخواطر وتفصيلها فريضة؛ لأنَّ الخواطرَ هي أصلُ الفعل وَمَبْدأه ومنشأه، وبذلك يُعْلَم الفرق بين لمَّة الملك ولمَّة الشَّيطان.

ج 1 ص 117

فلا يصحُّ الفعل إلَّا بصحَّتها، فصار علم ذلك فرضًا حتَّى يصحَّ الفعل من العبد.

وقال بَعْضهم طلبُ علم الوقف، وقال سَهْل بن عَبْد الله هُو طَلبُ عِلم الحال؛ يَعْني حكم حاله الَّذي بينه وبين الله في دنياه وآخرته.

وقيل طلب علم الحلالِ حيثُ كان أكل الحلال فريضة، وقد ورد «طلب الحلال فريضة بعد الفريضة» فصار علمه فريضة من حيث أنَّه فريضة.

وقيل هو طلب علم الباطن، وهو مَا يزداد به العبد يقينًا، وهذا العلم هو الَّذي يُكْتَسبُ بالصُّحبة ومجالسة الصَّالحين من العلماء المؤمنين والزُّهَّاد المقرَّبين الَّذين جعلهم الله من جنوده، فيتوق الطَّالبين إليهم ويقومهم بطريقهم وبرشدهم، فهم ورَّاث علم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومنهم متعلِّم علم اليقين، وقال بعضهم هو علم البيع والشِّراء والنِّكاح والطَّلاق، إذا أراد شيئًا من ذلك يجب عليه طلب علمه.

وقال بعضهم هو أن يكونَ العبد يريد عملًا يَجْهل ما لله عليه في ذلك، فلا يجوز له أن يعمل برأيه إذ هو جاهلٌ فيما له وعليه في ذلك، فيراجع عالمًا يسأله عنه ليُجيبه على بَصيرةٍ، ولا يَعْمل برأيه، وهذا أعلم بحيث طلبه حيث جَهل.

وقال بعضهم طلبُ علم التَّوحيدِ فرضٌ، فمن ذلك قائل يقول إنَّ طريقه النَّظَر والاستدلال، ومِن قائل أنَّ طريق النَّقد، وقال بَعْضهم إذا كان العبد على سلامة الباطن وحسن الاستسلام والانقياد في الإسلام ولا يَحيْك في صَدْره شيء؛ فهو سالمٌ، وإن حاك في صَدْره شيءٌ أو توسوس بشيء يَقْدح في العَقيدة، أو ابتلي بشبهةٍ لا تُؤمَن غائلتها أن تجرَّه إلى بدعةٍ أو ضلالة؛ فيجب عليه أن يَسْتَكشف عن الاشتباه ويراجع أهل العلم ومن يفهمه طريق الصَّواب.

قال الشَّيخ أبو طالب بل هو علم الفرائض الخمس الَّتي بُنِيَ الإسلام عليها؛ لأنَّها افتُرضَت على المسلمين، وإذا كان علمها فرضًا؛ صار علم العمل فرضًا، وذُكِرَ أنَّ علم التَّوحيد داخلٌ في ذلك؛ لأنَّ أوَّلها الشَّهادتان، والإخلاصُ داخلٌ في ذلك؛ لأنَّ ذلك من ضرورة الإسلام، وعلم الإخلاص داخلٌ في صحَّة الإسلام، وحيث أخبر عليه السَّلام أنَّه فريضة على كلِّ مسلم فيقتضي أن لا يسع مسلمًا جَهْله، وكلَّما تقدَّم من الأقاويل أكثرها ممَّا يَسَعُ المسلمَ جَهْله؛ لأنَّه قَدْ لا يَعْلم علم الخواطر وعلم الحال وعلم الحلال بجميع وجوهه، وعلم اليقين المُسْتفاد من علماء الآخرة كما ترى أكثر المسلمين على الجهلِ بهذه الأشياء، ولو كانت هذه الأشياء فُرِضَت عليهم؛ عجز عنها أكثر الخَلْقِ إلَّا ما شاء الله.

وحكي في هذه الأقاويل إلى قول أبي طالبٍ وإلى قول من قال يجبُ عليه علم البيع والشِّراء والنِّكاح الطَّلاق إذا أراد الدُّخول فيه، وهذا لعمري فرضٌ على المُسْلم علمه، وهكذا الَّذي قال أبو طالب، وعندي في ذلك على كلِّ حدٍّ جامع لطلبِ المفترَض.

أقول العلم الَّذي طلبه فريضة على كلِّ مُسْلم، والمنهيُّ والمأمور ما يُثاب على فعله، ويُعاقَب على تركه، والمنهيُّ مَا يُعاقَبُ على فعله ويُثاب على تركه، والمأمورات والمَنْهيَّات منهَا ما هُوَ مُسْتمرٌّ لازم للعبد بحكم الإسلام، ومنها مَا توجَّه الأمر فيه والنَّهي عند وجود الحادثة ممَّا هو لازمٌ مستمرُّ لزومه متوجِّه بحكم الإسلام

ج 1 ص 118

علْمه واجبٌ من ضرورة الإسلام، ومَا يتجدَّد بالحوادث ويتوجَّه الأمر والنَّهي منه علمه عند تحدُّده فرض لا يسعْ مُسْلم على الإطلاق أن يجهله، وهذا الحدُّ أعمُّ من الوجوه الَّتي سبقت، والله تعالى أعلم.

قوله (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، روينا عنه أنَّه قال أنا بالتَّخفيف.

ولشيخنا محدِّث ومقرئ الحافظ بن ناصر الدِّين فيه مؤلَّف، قال في «الكمال» بتخفيف اللَّام، وقد يشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّار قطني هو بالتَّشديد لا بالتَّخفيف.

قوله (عَنْ سُفْيَانَ) يُحتمَل أن يكون ابن عيينة، وأن يكون الثَّوريُّ؛ لأنَّ وكيعًا يروي عنهمَا [1] ، وقال المزِّيُّ في «الأطراف» عن أبي مَسْعودٍ أنَّه ابن عيينة [2] .

و (سفيانَ) بضمِّ السِّين على المشهور، وحُكِيَ كسرها وفتحها، و (عُيَيْنَةَ) بضمِّ العين وكسرها، ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد؛ لأنَّ أيًّا ما كان منهمَا؛ فهو عدلٌ على شرط البخاريِّ، قال في «التَّقْييد» هذا الحديث مَحْفوظٌ عن ابن عُيينة، انتهى، وقَد روى العدنيُّ عن الثَّوريِّ أيضًا.

قوله (هَلْ عِنْدَكُمْ) الخطاب لعليٍّ، والجمع للتَّعظيم، أو لإرادته مع أهل البيت، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع على مَذْهب من قال من علماء المعاني يكون مثله التفاتًا، وذلك كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطَّلاق1] [3] إذ لا فرق بين أن يكون الانتقال حقيقة أو تقدير عند الجمهور.

قوله (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) مرفوعٌ.

قوله (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول، والمفعول الأوَّل هو مفعول ما لم يسمَّ فاعله، والثَّاني الضَّمير، والمراد من (الفَهْم) المَفْهوم؛ أي ما يُفْهَم من فحوى الكلام ويُدْرَك من مواطن المعاني الَّتي هي غير الظَّاهر من نصِّه كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات، ولا شكَّ أنَّ النَّاس متفاوتون فيه.

قوله (وفَكَاكُ) بكسر الفاء وفتحها [4] .

فائدة اقتران الصَّحيفة بقراب سيفه إمَّا احتياطًا واستحضارًا، وإمَّا لكونه منفردًا بسماع ذلك، والظَّاهر أنَّ سبب الاقتران الإشعار بأنَّ مصالح الدِّين ليست بالسَّيفِ وحدَه، بل بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى، فلا يُوضَع السَّيف في مَوْضع الندى بَلْ يُوضَع كلٌّ في مَوْضعه [5] ، والاستثناء متَّصلٌ؛ لأنَّ المفهومَ من الكتاب كتاب أيضًا؛ لأنَّ المفاهيم توابع للمناطق، انتهى، (وَمَا فِي هَذِه) مَا موصولة.

و (أَنْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) وفي بعضها (ولا يُقْتل) إن قلتَ كيف جاز عطف الجملة على المفرد؟ قلتُ هو مثل قوله تعالى {فِيْهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيْمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران97] ؛ أي فيها حكم العَقْل، وحكم حرمة قصاص المسلم بالذِّمِّيِّ.

فائدة في هذا الحديث دلالةٌ لمالكٍ والشَّافعيِّ والجمهور في أنَّ المسلم لا يُقتَل بكافر قصاصًا، ورُوِيَ ذلك عن عمر وعثمان وعليٍّ، وزيد بن ثابت، وبه قال جماعة من التَّابعين وهو مذهب الأوزاعيِّ أيضًا واللَّيث والثَّوريِّ وأحمد وإسحاق وأبي ثورٍ، إلَّا أنَّ مالكًا واللَّيث قالا إن قتله غيلة قتل والغيلة أن يقتله على ماله كما يصنع قاطع الطَّريق [6] .

وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى أنَّه يُقتَل المسلم بالذِّمِّيِّ، ولا يُقتَل بالمستأمن والمعاهد؛ وهو قول سعيد بن المسيِّب والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ [7] ، واحتجُّوا بحديث ابن عمر أنَّه عليه السَّلام قتل مسلمًا بمعاهد، وهذا الحديث أخرجه الدَّار قطني وَوَهَّاهُ [8] ، والجواب عنه انظره من المطوَّلات.

قال البيضاويُّ إنَّه منقطعٌ لا احتجاج به، ثمَّ إنَّه خطأ إن قيل أنَّ القاتل عمرو بن أميَّة الضَّمريِّ وقد عاش بعد الشَّارع، ومتروكٌ بالإجماع؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّ الكافر كان رسولًا، فيكون مستأمنًا لا ذمِّيًّا، وإنَّ المستأمن لا يُقتَل به المسلم وفاقًا ثمَّ إن صحَّ فهو منسوخٌ أنَّه رُوِيَ أنَّه كان قبل الفتح وقال يوم الفتح ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده [9] .

[1] «الكواكب الدراري» (2/ 118) .

[2] انظر «تحفة الأشراف» (7/ 456) .

[3] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 119) .

[4] الذي في «اليونينيَّة» الفتح فقط، وذكر الكرمانيُّ في «الكواكب الدراري» (2/ 119) الكسر فقط، وانظر «لسان العرب» مادة (فكك) .

[5] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 119) ، «اللامع الصبيح» (2/ 61) .

[6] راجع «البيان والتحصيل» (4/ 164) ، «روضة الطالبين» (7/ 29) .

[7] راجع «شرح معاني الآثار» (3/ 193) .

[8] «سنن الدارقطني» (165) .

[9] في هامش الأصل (بلغ مقابلة على نسخة ثانية والنسختان مختلفتان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت