أما بيان اطراح الدليلين فإذا تعارض الموجب والمحرم فيصير إلى التخيير المطلق وهو حكم ثالث غير حكم الدليلين معا فيكون اطراحا لهما وتركا لموجبهما
وأما الجمع بين النقيضين فإن المباح نقيض المحرم فإذا تعارض المبيح والمحرم فخيرناه بين كونه محرما يأثم بفعله وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله كان جمعا بينهما وذلك محال ولأن في التخيير بين الموجب والمبيح رفعا للإيجاب فيصير عملا بالدليل المبيح عينا وهو تحكم قد سلموا ببطلانه
قولهم إنما جاز بشرط القصد
قلنا فقبل أن يقصد العمل بأحدهما ما حكمه إن قلتم حكمه الوجوب والإباحة معا والتحريم والحل معا فقد جمعتم بين النقيضين
وإن قلتم حكمه التخيير فقد نفيتم الوجوب قبل القصد واطرحتم دليله وأثبتم حكم الإباحة من غير شرط وإن قلتم لا حكم له قبل القصد وإنما يصير له بالقصد حكم فهذا إثبات حكم بمجرد الشهوة والاختيار من غير دليل فإن الدليلين وجدا فلم يثبت لهما حكم وثبت بمجرد شهوته وقصده بلا دليل وهذا باطل
قولهم إن التوقف لا سبيل إليه
قلنا يلزمكم إذا لم يجد المجتهد دليلا في المسألة والعامي إذا لم يجد مفتيا فماذا يصنع وهل ثم طريق إلا التوقف في المسألة
ثم لا نسلم تصور خلو المسألة عن دليل فإن الله تعالى كلفنا حكمه ولا سبيل إليه إلا بدليل فلو لم يجعل له دليلا كان تكليفا لما لا يطاق فعند ذلك إذا تعارض دليلان وتعذر الترجيح اسقطهما وعدل إلى غيرهما كالحاكم إذا تعارضت عنده بينتان