إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وكثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع ولا يتفقون عليه
الثاني أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن الواقعة فينبني العلم بالصدق على المقدمتين ولا بد من إشعار النفس بهما وإن لم يتشكل فيها بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى حصل التصديق ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بتوسطها كقولنا الاثنان نصف الأربعة فإنا لا نعلم ذلك إلا بواسطة أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر والإثنان كذلك فقد حصل العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن ولهذا لو قيل ستة وثلاثون نصف اثنين وسبعين افتقر فيه إلى تأمل ونظر والضروري عبارة عن الأولى الذي يحصل بغير واسطة كقولنا القديم ليس محدثا والمعدوم ليس موجودا لأننا نجد أنفسنا مضطرين إليه وهو يحصل دون تشكل واسطة في الذهن كالعلوم المحسوسة والعلم بالتجربة كقولنا الماء مرو والخمر مسكر والصحيح الأول فإن اللفظ يدل عليه لاشتقاقه منه والقول الآخر مجرد اختيار لا دليل عليه
ذهب قوم إلى أن ما حصل العلم في واقعه يفيده في كل واقعة وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع ولا يجوز أن يختلف وهذا أنما يصح إذا تجرد الخبر عن القرائن فإن اقترنت به قرائن جاز أن تختلف به الوقائع والأشخاص لأن القرائن قد تورث العلم وإن لم يكن فيه أخبار فلا يبعد أن تضم القرائن إلى الأخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة القرائن وكيفية دلالتها فنقول لا شك أنا نعرف أمورا ليست محسوسة إذ نعرف من غيرنا حبه