ولا تنفي التخيل ولما كنت تحس التخيل في دماغك فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيئ للتخيل وبها تباين بقية الأعضاء كمباينة العين لها وهذه القوة يشارك فيها الإنسان البهيمة فمهما رأى الفرس الشعير تذكر صورته فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه ما لم يجربه بالذوق مرة أخرى
ثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها تسمى عقلا محلها القلب تباين قوة التخيل أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار ثم فيك قوة رابعة تسمى المفكرة شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شىء آخر بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين نصف إنسان ونصف فرس وربما صوره إنسانا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين والفكرة تجمع بينهما كما تفرق بين نصفي الإنسان وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها
والتأليف بين مفردين لا يخلو إما أن ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات كقولنا العالم حادث والعالم ليس بقديم يسمي النحويون الأول مبتدأ والثاني خبرا ويسميه الفقهاء حكما ومحكوما عليه ويسمى الجميع قضية والقضايا أربع قضية مخصوصه نحو زيد عالم وقضية جزئية نحو بعض الناس عالم وقضية كلية كقولنا كل جسم متحيز وقضية مهملة كقوله تعالى إن الإنسان لفي خسر