الثالث أنهم لو اختلفوا في مسألتين فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما وذهب الآخرون إلى التحريم فيهما فذهب التابعي إلى التجويز في أحدهما والتحريم في الأخرى كان جائزا وهو قول ثالث
ولنا أن ذلك يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عنه فإنه لو كان الحق في القول الثالث كانت الأمة قد ضيعته وغفلت عنه وخلا العصر من قائم لله بحجته ولم يبق منهم عليه أحد وذلك محال
قولهم لم يصرحوا بتحريم قول ثالث قلنا ولو اتفقوا على قول واحد فهو كذلك ولو لم يجوزوا خلافه فأما إذا عللوا بعلة فيجوز بسواها لأنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع الأدلة بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد وليس على الإطلاع على علة أخرى نسبة إلى تضييع الحق بخلاف مسألتنا
وأما إذا اختلفوا في مسألتين فإنهم إن صرحوا بالتسوية بين المسألتين فهو كمسألتنا لا يجوز التفريق وإن لم يصرحوا به جاز التفريق لأن قوله في كل مسألة موافق لمذهب طائفة ودعوى المخالفة للإجماع ههنا جهل بمعنى المخالفة إذ المخالفة نفي ما أثبتوه أو إثبات ما نفوه ولم يتفق أهل العصر على إثبات أو نفي في حكم واحد ليكون القول بالنفي والإثبات مخالفا ولا يلتئم الحكم من المسألتين بل نقول لا يخلو الإنسان من خطأ ومعصية والخطأ موجود من جميع الأمة وليس محالا إنما المحال الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا تقوم به طائفة ولهذا يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فريقين فتخطىء فرقة في مسألة وتصيب فيها الأخرى وتخطىء في المسألة الأخرى وتصيب فيها المخطئة الأولى والله اعلم