وَأَقُولُ: إِنَّ كَلِمَةَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَثِيرَةٌ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ كَالْأَعْرَافِ ، وَيُونُسَ ، وَالْحَجِّ ، وَالنَّمْلِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ، وَوَرَدَتْ أَيْضًا فِي الْبَقَرَةِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَالْحُجُرَاتِ مِنَ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ ، فَخِطَابُ أَهْلِ مَكَّةَ فِيهَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ ، وَوُرُودُهَا فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ
يُرَادُ بِهِ خِطَابُ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ابْتِدَاءً ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي فَاتِحَةِ النِّسَاءِ: إِنَّهَا خِطَابٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، بَلْ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ نَحْوًا مِمَّا رَوَيْنَاهُ آنِفًا عَنِ الْوَالِدِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ النَّاقِلُونَ ، وَحَمَلُوهُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْخِطَابِ حَتَّى غَلِطَ فِيهِ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَإِنْ حَقَّقَ فِي الْإِتْقَانِ أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ . وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا رَبَّكُمْ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ كَثِيرًا ، وَآخِرُهُ فِي آخِرِ السُّورَةِ السَّابِقَةِ ، وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ بِتَقْوَى رَبِّ النَّاسِ وَمُغَذِّيهِمْ بِنِعَمِهِ ، وَبَيْنَ وَصْفِهِ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ظَاهِرَةٌ ; فَإِنَّ الْخَلْقَ أَثَرُ الْقُدْرَةِ ، وَمَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَّقَى وَيُحْذَرَ عِصْيَانُهُ ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ .