قال الله تعالى {إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} لأنَّ كل ما كان من طلب العلم فقد يقع بعده الاستفهام. تقول:"أَزَيْدٌ فِي الدّارِ"؟ و:"لَتَعْلَمَنَّ أَزَيْدٌ فِي الدّار". وقال {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ} أي: لننظر. وقال تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وأَمَّا قوله {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ عِتِيّاً} فلم يرتفع على مثل ما ارتفع عليه الأول [85ب] لأن قوله {لَنَنزِعَنَّ} ليس بطلب علم. ولكن لما فتحت"مَنْ"و"الذي"فِي غير موضع"أي"صارت غير متمكنة إذ فارقت اخواتها تركت على لفظ واحد وهو الضم وليس باعراب. وجعل {أَشَدّ} من صلتها وقد نصبها قوم وهو قياس. وقالوا:"إذا تُكُلِّمَ بها فإنَّه لا يكونُ فيها إلاَّ الأعمال". وقد قرئ {تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ} فرفعوا وجعلوه من صلة"الذي"وفتحه على الفعل أحسن. وزعموا ان بعض العرب قال:"ما أَنَا بالّذِي قائلٌ لكَ شَيْئاً"فهذا الوجه لا يكون للاثنين الا"ما نَحْنُ بالَّلذَيْنِ قائِلانِ لَكَ شَيْئاً".
{إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}
قوله {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} و {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً} وأَشْباهُ هذا فِي"إذْ"و"الحِين"وفي"يَوْم"كثير. وإنما حسن ذلك للمعنى ، لأن القرآن انما انزل على الأمر والذي كأنه قال لهم:"أذْكُروا كذا وكذا"وهذا فِي القرآن فِي غير موضع و"اتَّقُوا يومَ كذا"أو"حينَ كذا".