معنى (نبذوه) رمَوْا بهِ يقال للذي يطرح الشيء ولا يعْبأ به: قد جعلت
هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر.
قال الفرزدق:
تَمِيمُ بنَ قَيْسٍ لا تَكونَنَّ حاجَتِي... بظَهْرٍ فلا يَعْيا عَليَّ جَوابُها
أي لا تتركنها لا يُعْبَأ بها.
وأنبأ اللَّه عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساءَ على كتمان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)
أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهُمْ
على الكفر بما يخفونه.
وقوله عزَّ وجلَّ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(188)
هؤلاءِ قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجوا من عنده فذكروا لمن كان رآهم فِي ذلك الوقت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أتاهم بأشياءَ قد عرفوها.
فحمِدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأبطنوا خلاف ما أظهروا وأقاموا بعد ذلك على الكفر، فأَعلم اللَّه - عزَّ وجلَّ - النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم وأعْلمه أنهم ليْسوا بِمَفازة منَ العذَاب أي ليسوا ببعد من العذاب.
ووقعت (فَلَا تَحْسَبنهم) - مكررة لطول القصة.
والعرب تعيدُ إذا طالت القصة فِي حسبت وما أشبهها، إعلاماً أن الذي جرى متصل بالأول، وتوكيداً للأول، فنقول: لا تظنَن زيداً إذا جاءَك وكلمك بكذا وكذا - فلا تظننه صادقاً، تعيد - فلا تظنن توكيداً - ولو قلت لا تظن زيداً إذا جاءَك وحدثك بكذا وكذا صادقاً جاز، ولكن التكرير أوكد وأوضح للقصة.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(189)
أي هو خالقهما، ودليل ذلك قوله - عزَّ وجلَّ: (خالق كل شيء)