ثم أمر اللَّه - عز وجل - النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته أن يقولوا آمناً باللَّهِ وما أنزل علينا، وأن يقولوا ويعتقدوا إنهم لا يفرقون بين جميع الرسل فِي الإيمان بهم. لا يكفرون ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى، وأعلم اللَّه أنه لا يقبل ديناً غير دين الإسلام ولا عملاً إلا من أهله.
فقال عز وجلَّ: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)
(يَبْتَغِ) جزم بمن - وقوله: (فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ) الجواب.
ومعنى (من الخاسرين) أي ممن خسر عمله، والدليل على ذلك قوله
عزَّ وجلَّ: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)
وقوله عزَّ وجلَّ: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86)
يقال إنها نزلت فِي قوم ارتدوا ثم أرادوا الرجوع إلى الإسلام ونيَّتهم
الكفر. فأَعلم اللَّه أنَّه لا جهة لهدايتهم لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات التي هي دليل على صحة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل إنها نزلت فِي اليهود لأنهم كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن كانوا - قبل مبعثه - مؤمنين.
وكانوا يشهدون بالنبوة لَهُ فلما بعث عليه السلام - وجاءَهم بالآيات المعجزات وأنبأهم بما فِي كتبهم مما لا يقدرون على دفعه، وهو - أُمِّيٌّ - كفروا به بغياً وحسداً،
فأَعلم اللَّه أن جزاءَهم اللعنة، فقال:
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(87)
ومعنى لعن الناس (أجمعين) لهم أن بعضهم يوم القيامة يلعن بعضاً
ومن خَالَفهم يلعنهم، وتأويل لعنة اللَّه لهم تبعيده إياهم من رحمته وثنائه
عليهم بكفرهم.