وقوله جلَّ وعزَّ: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60)
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)
مرفوع على أنه، خَبرُ ابْتِدَاءَ مَحْذوف.
المعنى الذي أنْبَانَاك به فِي قِصة عيسى عليه السلام هو الحق من ربك.
(فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ) : أي من الشكاكين، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خِطَاب
للخلق، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشكك فِي قصة عيسى، ومعنى (مِنْ رَبِّكَ) أي أتَاك من عِنْدَ ربك.
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ)
أي فِي عيسى.
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) .
قيل له هذا بعد أن أوحِيَتْ إِليه البراهين والحجَجُ الْقَاطِعَة فِي تَثْبِيتِ أمرِ
عيسى إنَّه عبد، فأمِرَ بالمُبَاهَلَةِ بعد إقامة الحجة، لأن الحجة قد بلغت النهاية
في البيان فأمر اللَّه أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤُهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال فِي اللغة المبالغة فِي الدعاءِ، وأصله الالتعان ويقال بَهَلَهُ الله أي لَعَنَهُ اللَّه، ومعنى لَعَنَة الله باعَدَهُ اللَّه من رحمته، يقال: ناقة بَاهل وباهلة إذا لم يكن عليها صِرَار، وقد أبهل الرجل ناقته إذا تركها بغير صرار ورجل باهل إذا لم يكن معه عصا. فتأويل الْبَهْل فِي اللغة المباعدة والمفارقة للشيء .
فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المباهلة لأمرين كلاهما فيه بيان أن علماءَهم قد وقفوا على أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حق لأنهم إذْا أبوا أن يلاعنوا دل إِباؤُهم على أنهم قد