حُوَّارَى من هذا أي قد أخذ لبابه وكذلك عجين مُحَوَّرٌ للذي يمسح وجهه
بالماءِ حتى يصفو، ويقال عين حوراءَ إِذا اشتد بياضها وخلص واشتد سوادها، ولا يقال امرأة حوراءَ إِلا أن تكون مع حور عينها بيضاءَ، وما روي، في
الحديث:"نعوذ باللَّه من الحَوَرِ بعد الكوَرِ"
معناه نعوذ باللَّه من الرجوع والخروج عن الجماعة بعد الكوَرِ.
أي بعد أن كنا فِي الكور، أي فِي الجماعة يقال كارَ الرجل عمامة إِذا لفَّها على رأسه، وحار عمامَتَهُ إذا نقضها، وقد قيل:"بعد الكون"ومعناه بعد أن كنا على استقامة، إلا أن مع الكون محذوفاً فِي الكلام
دليلاً علبه.
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
وأما معنى قوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)
أي اكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياءِ بالتصديق، وحقيقة الشاهد أنه الذي
يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا باللَّه واعترفنا بصحة ما جاءَ به
النبي - صلى الله عليه وسلم - وثَبَتْنَا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا.
وقوله عزَّ وجلَّ: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)
الْمَكْرُ مِنَ الخلائق خِبٌّ وخداع، والمكر من اللَّه المجازاة على ذلك
فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال - عزَّ وجلَّ:
(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) . فجعل مُجازَاتِهِمْ على الاستِهْزَاء بالْعذَابِ، لفظُه لفظُ الاستهزاءَ.
وكما قَالَ جَل وعز: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فالأولى سيئة والمجازاة
عليها سُمِّيَتْ باسْمِهَا، وليست فِي الحقيقة سَيئَةً.
وجائز أنْ يكونَ مَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْرَاجُهُمْ من حيث لا يعلمون لأن الله سلَّطَ
عليهم فَارسَ فغلبتْهم وَقَتَلَتْهمْ، والدليل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ:
(الم(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) .