وَمِنْ أَحْسَنِ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (النُّورِ: 35) الْآيَةَ، فَإِنَّ فِيهَا خَمْسَ تَخَلُّصَاتٍ: وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ بِصِفَةِ النُّورِ وَتَمْثِيلِهِ، ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى ذِكْرِ الزُّجَاجَةِ وَصِفَاتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ذِكْرِ النُّورِ وَالزَّيْتِ يَسْتَمِدُّ مِنْهُ، ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى ذِكْرِ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنْ ذِكْرِهَا إِلَى صِفَةِ الزَّيْتِ، ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنْ صِفَةِ الزَّيْتَ إِلَى صِفَةِ النُّورِ وَتَضَاعُفِهِ، ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَى نِعَمِ اللَّهِ بِالْهُدَى عَلَى مَنْ يَشَاءُ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (الْمَعَارِجِ: 1) الْآيَةَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ أَوَّلًا عَذَابَ الْكُفَّارِ، وَأَنْ لَا دَافِعَ لَهُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ تَخَلَّصَ إِلَى قَوْلِهِ: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} (الْمَعَارِجِ: 4) بِوَصْفِ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (الْمَعَارِجِ: 3) .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} (الشُّعَرَاءِ: 69 - 70) إِلَى قَوْلِهِ: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشُّعَرَاءِ: 102) فَهَذَا تَخَلُّصٌ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى قَوْمِهِ هَكَذَا، وَتَمَنِّي الْكُفَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا لِيُؤْمِنُوا بِالرُّسُلِ، وَهَذَا تَخَلُّصٌ عَجِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} (الشُّعَرَاءِ: 72 - 78) . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ الِانْتِقَالَ مِنْ أَحْوَالِ أَصْنَامِهِمْ إِلَى ذِكْرِ صِفَاتِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ لِي أَعْدَاءٌ إِلَّا اللَّهَ، فَانْتَقَلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ.