وَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَكَيْفَ تَلِيقُ صِفَتُهُ بِالْفَاصِلَةِ، وَيَتِمُّ النَّظْمُ بِهَا مَعَ خُرُوجِهَا مَخْرَجَ الْمُرُورِ مِنَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِلَى ذِكْرِهِ وَمَدْحِهِ فَشُكْرِهِ، وَأَنْ يَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ تَعْظِيمِ تَخْلِيصِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الطُّوفَانِ بِمَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، وَنَجَّاهُمْ مِنْهُ حِينَ أَهْلَكَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَقَدْ عَرَّفَهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخِذُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَفَسَادِهِمْ فِيمَا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ، ثُمَّ عَادَ عَلَيْهِمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْإِفْضَالِ كَيْ يَتَذَكَّرُوا وَيَعْرِفُوا قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى نُوحٍ الَّذِي وَلَدَهُمْ، وَهُمْ ذُرِّيَّتُهُ، فَلَمَّا جَارُوا إِلَى جَهَالَتِهِمْ وَتَمَرَّدُوا عَادَ عَلَيْهِمُ التَّعْذِيبُ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةِ الْعَدَدِ كَثِيرَةِ الْفَوَائِدِ، لَا يُمْكِنُ شَرْحُهَا إِلَّا بِالتَّفْصِيلِ الْكَثِيرِ وَالْكَلَامِ الْمُطَوَّلِ، مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّدْرِيجِ الْعَجِيبِ وَالْمَوْعِظَةِ الْعَظِيمَةِ بِقَوْلِهِ: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (الْإِسْرَاءِ: 7) وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ بِذَلِكَ نِظَامُ الْكَلَامِ إِلَى أَنْ خَرَجَ إِلَى قَوْلِهِ: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} (الْإِسْرَاءِ: 8) يَعْنِي إِنْ عُدْتُمْ إِلَى الطَّاعَةِ عُدْنَا إِلَى الْعَفْوِ، ثُمَّ خَرَجَ خُرُوجًا آخَرَ إِلَى حِكْمَةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ الْآيَةُ الْكُبْرَى. وَعَلَى هَذَا فَقِسِ الِانْتِقَالَ مِنْ مَقَامٍ إِلَى مَقَامٍ، حَتَّى يَنْقَطِعَ الْكَلَامُ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى النَّوْعِ الْمُسَمَّى بِالتَّخَلُّصِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ غَانِمٍ الْمَعْرُوفُ بِالْغَانِمِيِّ وَقَالَ:"لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ"، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.