إذن نخلص مما سبق: أن المجاز اللغوي موجود في اللغة وفي القرآن، والذي ينبغي إنكاره هو أن نجريه في نصوص الوحي كتابًا وسنة على ما ثبت في حق الله من صفات، وما ذلك إلا لكون هذه الصفات على ظاهرها، وعلى حقيقتها، وأنها تكون بالنسبة له على النحو اللائق به جل وعلا، كما وضح من خلال ما سبق أن المجاز اللغوي هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب، وأنه باعتبار نوع التجوز يختص بألفاظ اللغة، ومفرداتها، أو ما قام مقامها في طرفي التشبيه؛ خلافًا للمجاز العقلي الذي يختص بالتجوز في الأسانيد أي: بإسناد الأفعال، أو ما في معانيها إلى غير ما هي لها.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) }
فجملة {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} لم يُقصد تشريكها في الحكم الإعرابي لجملة: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} لأنها ليست من مقولهم، بل هي من كلام رب العزة سبحانه، إخبارًا منه تعالى، ولذا وجب الفصل بينهما حتى لا يُتوهم غير المراد.
ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 13) فقد فصل {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} عن {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} ، حتى لا يتوهم أنها من كلام المنافقين؛ إذ هي من كلام رب العزة سبحانه إخبارًا منه تعالى، والوصل يُوهم أنها من مقول المنافقين، وهو ما لا يخفى فساده.
وخلاصة القول: أن الجمل التي لها محل من الإعراب إذا قُصد إشراكها في الحكم الإعرابي وصلت، وقد ترد نادرًا بلا وصل، وإذا لم يُقصد التشريك وجب فصلها؛ إلا أن الوصل عندئذ يُوهم خلاف المراد، وهذا الحكم يختص - كما هو واضح - بالجمل التي لها محل من الإعراب، ثم هي من بعد ذلك تخضع لأحكام فصل ووصل الجمل التي ليس لها محل من الإعراب. وكان البلاغيون قد ذكروا أن الفصل بين الجمل ينحصر في خمسة مواضع، هي: كمال الاتصال، كمال الانقطاع، شبه كمال الاتصال، شبه كمال الانقطاع، التوسط بين الكمالين مع وجود المانع من العطف، وهو عدم الإشراك في الحكم الإعرابي.