الجواب عن ذلك أن يقال: إن الذي نطق به القرآن من تحذير صالح عليه السّلام قومه بعد أن أمرهم باتقاء الله تعالى وطاعته هو أمر الناقة والمنع من التعرض لها، فجعل «الرسالة» جملة لما لم يفصل ما أتى به شعيب حين نهاهم عن عبادة الأوثان بدلالة قوله: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} ثم قال: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} ثم قال: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وقال: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} . قيل في التفسير: هم العشارون: عن قتادة والسدى، وقيل: كانوا يقعدون على طريق من قصد شعيبا يتوعدونه ويصدونه عن دين الله، فهذه التي أمر شعيب بها قومه أشياء كثيرة ليس ما أمر به صالح قومه مثلها كثرة، فلهذا جمع الرسالة فقال: {رِسَالَاتِ رَبِّي} ، وقال في قصة صالح عليه السّلام: {رِسَالَةَ رَبِّي} .
وجواب ثان وهو ما يروى: أن أصحاب الأيكة غير مدين، وأن شعيبا بعث إلى أمتين وهذا عن قتادة، وقيل: الأيكة: الغيضة الملتفة، وأصحاب الأيكة هم أهل مدين، فإذا حمل على الأول كان إلى كل واحد من أمته رسالة، فجمع لاختلاف قومه وتخصيص كل منهم برسالة من الله فإن قال قائل: فبأي عذاب الله أهلكوا وقد نطق القرآن بالرجفة في أمرهم ونطق بالصيحة التي خروا لها وماتوا ونطق بعذاب يوم الظلة، وهي:
سحابة أظلتهم فأحرقهم الحر تحتها، وهذه أنواع من العذاب مختلفة وفي كل واحد ما يغني عن الآخر في الإهلاك، فإذا أهلكوا بأحدها اكتفى به عن غيرها.