وأما ما روي من الإدغام لأبى عمرو فلا موضع للإدغام ها هنا ؛ لأن الإدغام فيه يجمع بين ساكنين ، لكن أبا عمرو لما رأى توالي الياءات
اختلس لفظ بعضها اختلاسًا خفيًا بِلطافته على ما هو معهود عنده من
لطافة ألسِنة العرب .
فلا يطوع لسان الحضري لما يطوع له لسان البدوي .
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ ...(201) .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طئفَ"بغير ألف ،"
وقرأ الباقون (طَائِفٌ) بالألف .
قال أبو منصور: المعنى فِي الطيف والطائف واحد .
والطيف في كلام العرب له معنيان:
أحدهما: الجنون ، ومنه قول للهذلي:
... ... ... ... . فَإذا بِهَا وَأبِيْكَ طَيفُ جُنُونِ .
وقد جعله بعض المفسرين في هذا الموضع جنونا ؛ لأن الغضب
الشديد يعتريه شيء من الجنون ،
المعني: إذا مَسهم غضب يُخَيَّلُ إلى مَنْ
رآه فِي تلك الحالة بعد ما كان رآه ساكنا أنه مجنون .
والطيف في غير هذا: الخيال الذي تراه في منامك ، يقال: طاف الخيال يَطِيفُ طيفًا ، وطاف الرجل بالبيت يطوت طوافًا .
ومن قرأ (إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ) أراد به: تغيرُ حالة الغضبان إذا ثارَ
ثائرُهُ ، فكأنما طاف به شيطان استَخَفهُ حتى تهافت فيما يتهافت فيه
المجنون ، من سفك الدم الحرام ، والتقَحُّم على الأمور العظام .