وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: وَنَحْنُ لَا نُكَذِّبُ، وَفِي الْمَعْنَى وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَمَنًّى أَيْضًا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي «نُرَدُّ» .
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ ضَمِنُوا أَنْ لَا يَكْذِبُوا بَعْدَ الرَّدِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ مَوْضِعٌ، وَيُقْرَآنِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ التَّمَنِّي، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي التَّمَنِّي، وَالْوَاوُ فِي هَذَا كَالْفَاءِ.
وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ رَفَعَ الْأَوَّلَ، وَنَصَبَ الثَّانِيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَوَجْهُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (29) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ هِيَ إِلَّا) : هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) (30) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) : أَيْ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِمْ، أَوْ عَلَى مُلْكِ رَبِّهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (31) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَغْتَةً) : مَصْدَرٌ فِي وَضْعِ الْحَالِ؛ أَيْ: بَاغِتَةً.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَبْغَتُهُمْ بَغْتَةً.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِجَاءَتْهُمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ.
(يَاحَسْرَتَنَا) : نِدَاءُ الْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا حَسْرَةً احْضُرِي؛ فَهَذَا أَوَانُكِ، وَالْمَعْنَى تَنْبِيهُ أَنْفُسِهِمْ لِتَذْكُرَ أَسْبَابَ الْحَسْرَةِ.
وَ (عَلَى) : مُتَعَلِّقَةٌ بِالْحَسْرَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي «فِيهَا» يُعُودُ عَلَى السَّاعَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: فِي عَمَلِ السَّاعَةِ.