وهم أصحاب ماني الزنديق، طائفة من المجوس، وأيضا لو كان النور والظلمة إلهين لكانا مؤثرين فيما يحدث فيهما؛ فلو ولد مولود في النور وآخر في الظلمة أمكن في العقل أن يكونا خيرين [أو شريرين، أو أحدهما خيرا والآخر شريرا، فبتقدير أن يكونا خيرين] يلزم صدور الخير عن الظلمة الشريرة، وبتقدير أن يكونا شريرين يلزم صدور الشر عن النور والخير، وبتقدير أن يكون المولود في [النور: شريرا و] الآخر خيرا يلزم الأمران جميعا، وكل ذلك ما ينقض قولهم ويهدم أصلهم.
[155/ل] مشهور، حتى صار الواقف على السماوات يعرف بذلك أنه من مثبتي الجهة، والأشبه من حيث المعنى عدم الوقف عليه كقوله - عز وجل - {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} (84) [الزخرف: 84] .
{وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ} (9) [الأنعام: 9] زعم بعضهم أن المسيح كان ملكا في هيكل بشر إلباسا على الناس، حتى ضلت فيه النصارى. قال: وهذه الآية تشير إلى ذلك، وهذا قول مشتق من قول النصارى؛ لأن أولئك جعلوا الحلول فيه للاهوت وهذا نزل درجة، وجعله للملك.
ثم يحتج بالآية على المعتزلة في أن الله - عز وجل - هو الذي يهدي ويضل؛ لأنه أخبر أنه لو أجاب الكفار إلى سؤالهم لما نفعهم ذلك في الهداية، مع إلباسه وتشبيهه عليهم.
{قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (12) [الأنعام: 12] هذا إخبار بالبعث، وبرهانه في مواضع أخر تذكر إن شاء الله عز وجل.
{وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (13) [الأنعام: 13] أي: وتحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر؛ لدلالته عليه بالالتزام، ولعل فيه إشارة إلى دليل حدوث العالم، وتقريره أن كل ما اشتمل عليه الليل والنهار فهو إما ساكن، وإما متحرك وكل ما كان إما ساكنا وإما متحركا فهو حادث، فكل ما اشتمل عليه الليل والنهار حادث.