فأزال كل ريب يرتابون به فإن كانوا يريدون تثبيت مقالتهم بالقرآن فالقرآن هذا سبيله يكذبهم كما ترى ومنزله يفعل بهم ما فيه.
وإن نبذوه وراء ظهورهم واقتصروا على عقولهم فليعملوها في غير
هذا الفن ، فإن الله جل جلاله أقوم بحجته منهم وغني عما ينزهونه به من خلاف كتابه.
ولقد بلغني أن بعض جهلتهم - وإن كانوا بأسرهم جهالا - زعم أن الإرادة في قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) ، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)
مردودة إلى العبد لا إليه كأنه يقول: من يرد من الله أن يهديه هداه ومن يرد أن يضله أضله ، فخالفه اللغة ولم يحصل لنفسه حجة.
فأما خلافه اللغة ، فإن الله جل وعز مرفوع بفعله بإجماع الآراء ، ولو كان كما زعم كان فمن يرد الله نصباً.
ولو كان القراء أيضا كلهم قرأوا (الله) نصبا ما كان له فيه حجة ، إذ
لا يجوز على الله أن يسأله عبد من عباده محالا فيعطيه.
أليس من مذهبهم أن الله لا يجوز عليه إضلال أحد ، فكيف يريدون
منه شيئا هو منزه عن فعله عندهم فيعطيهم ، هل بين أن يبتليهم بالإضلال وبين أن يضلهم بإرادتهم منه ومسألتهم إياه فرق ، أم هل في العالم أحد يسأل الله أن يضله ، بل كل يسأله الهداية ولا يسأله الإضلال ولا يريده منه.
قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا)
حجة على الجهمية واضحة فيما يزعمون أن الجعل في القرآن بمعنى الخلق وحده ، وهذا لا محالة غير الخلق ، إذ لا يجوز لأحد أن يقول: إنهم خلقوا لله نصيبا ، ولو أنهم تركوا المزاحمة في اللغة التي لا يعقلونها ، وتركوها لأهلها كانوا عن مثل هذه الإلزامات القبيحة في معزل.
قوله: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ)