والزينة نظير المشيئة ، لأنهم يجدونها في موضع منسوبة إلى الشيطان مثل قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)
وفي موضع منسوبة إليه وهو قوله: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)
وفي موضع غير مسمى فاعلها مثل الموضع الذي ابتدأنا به الآية ، وقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ)
وأشباهها ، فقطع جل جلاله الريب كله وأخبر أن الشيطان نقيض لذلك غير سابق له بقوته بقوله: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)
فكل مشيئة منسوبة في القرآن إلى غيره ، وزينة أو إضلال فهو تبع له ، إذ مستحيل أن يكون جل جلاله تبعاً لهم ومزينا أو مضلا وشائيا بقوتهم ، وكيف يكون
كذلك وهو يملكهم ولا يملكونه ، خلقهم كيف أراد بجميع صفاتهم وآلاتهم وهو في جميع صنيعه فيهم وفي غيرهم عدل ، عقل الخليقة عدله أم لم يعقلوه. فهذا واضح لا لبسة فيه لمن شرح الله صدره ولم يكابر عقله.
وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)
حجة عليهم شديدة إذ الجعل إن كان بمعنى الخلق ، فقد أخبر نصا بلا تأويل أنه خلقهم مجرمين للمكر.
وإن كان بمعنى الصيرورة: فقد أخبر أنه مصيرهم كذلك ، ثم نسب الإجرام الذي خلقه فيهم إليهم وأوعدهم عليه في آية واحدة فقال: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ(124 ) ) .
تم وصل الآية بأخرى ذكر فيها إرادته في الهداية والإضلال فقال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)