وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , أَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُمْ يَوْمَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ دِينَهُمْ , بِإِفْرَادِهِمْ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ , وَإِجْلَائِهِ عَنْهُ الْمُشْرِكِينَ , حَتَّى حَجَّهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَهُمْ , لَا يُخَالِطُونَهُمُ الْمُشْرِكُونَ. فَأَمَّا الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ , فَإِنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا , هَلْ كَانَتْ أُكْمِلَتْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيِّ مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا قَبْلُ.
وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} وَلَا يَدْفَعُ ذُو عِلْمٍ أَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ قُبِضَ , بَلْ كَانَ الْوَحْي قَبْلَ وَفَاتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَ تَتَابُعًا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ قَوْلُهُ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} آخِرَهَا نُزُولًا وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} عَلَى خِلَافِ الْوَجْهِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ تَأَوَّلَهُ , أَعِنِّي: كَمَالَ الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا جعْلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: قَدْ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَمْ يَنْزِلْ؟
قِيلَ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ لَمْ يَنْزِلْ , مُخْبِرٌ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ نُزُولَ فَرْضٍ , وَالنَّفْي لَا يَكُونُ شَهَادَةً , وَالشَّهَادَةُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَ , وَغَيْرُ جَائِزٍ دَفْعُ خَبَرِ الصَّادِقِ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ صَادِقًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَأَتْمَمْتُ نِعْمَتِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِإِظْهَارِكُمْ عَلَى عَدُوِّي وَعَدُوِّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , وَنَفْيِي إِيَّاهُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ , وَقَطْعِي طَمَعَهُمْ مِنْ رُجُوعِكُمْ , وَعَوْدِكُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.