فيما دون النفس، فقولان: الجمهور على أنه لا يقتص من الحر للعبد في ذلك، وحجة مالك في هذا أنه إذا لم يكن بينهما قصاص في النفس لما قدمناه من دليل آية البقرة، فأحرى أن يكون ذلك بينهما فيما دون النفس. وذهب النخعي والبتي إلى إيجاب القصاص بينهما في الجراحات. ومن حجة من يقول هذا عموم قوله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ومن ذلك المسلم والكافر هل بينها قصاص أم لا؟ فأما في النفس فثلاثة أقوال، أحدها: أن يقتل المسلم بالكافر الذمي أو الحربي المستأمن، وهو قول أبي يوسف؛ لعموم قوله تعالى: {النفس بالنفس} . والثاني: أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي خاصة، وهو قول أبي حنيفة لعموم الآية أيضًا. والثالث: أنه لا يقتل المسلم بالكافر بوجه، وهو قول مالك ومن تابعه، ووجه الحجة لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا يقتل مسلم بكافر ) )، فهذا الحديث مخصص ومبين. وأما في الجراح، فقولان: الجمهور على أنه لا قصاص بينهما في ذلك.
وذكر بعضهم: أن من الناس من يرى القصاص في الجراح بين الذمي والمسلم. ومن حجته عموم الآية قوله تعالى: {والجروح قصاص} ، ومما يعضد قول مالك في نفي القصاص بين العبد والحر، والمسلم والكافر أن قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية، إنما أراد بها الأحرار المسلمين، أن الله تعالى لم يخاطبنا بها في شرعنا، وإنما أخبر تعالى أنه كتبها في التوراة على قوم موسى عله الصلاة والسلام، وهم أهل ملة واحدة، ولم تكن لهم ذمة ولا عبيد؛ لأن الاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم وخص به هو وأمته من بين سائر الأمم، قال صلى الله عليه وسلم: (( أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت جوامع الكلم، وبعثت إلى الناس كافة ) )، لقوله: {إني رسول الله إليكم} [الأعراف: 158] ، وقوله في الآية بعدها: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45] يدل على أن الآية إنما أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن