فذهب قوم إلى أنه لا يقطع المحارب إلا إذا أخذ ما يقطع فيه السارق، ولم ير مالك ذلك، ورأى أخذه القليل كأخذه الكثير؛ وذلك لأن الحرابة واقع عليه قليلًا أو كثيرًا، ولم يأت في الشرع حد هل فاستحب عموم الآية في المحاربين لأنه من جملتهم، وقد استدل جماعة فقهاء قرطبة في أيام هشام بن عبد الحكم وحاجبه المنصور بن أبي عامر حين كشف عن عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي القاضي صاحب الرد وجماعة سواه فيما أرادوه من خلع هشام وقتل محمد بن أبي عامر والاستبدال من هشام بابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله، ووجه بذلك كتابًا لعبد الملك بن منذر إلى بعض من واعده على ذلك فأحضره المنصور وأحضر الكتاب بحضرة فقهاء قرطبة وقاضيها ابن زرب، فاعترف
عبد الملك وأنه أراد أن يفعل فاستفتى فيه فكلهم أفتى بقتله واحتج بالآية: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] الآية، إلا أبا عمر ابن المكوي، فقال: لا أرى قتله لأنه رجل هم بالمعصية ولم يفعلها ولا جرد سيفًا ولا أخاف سبيلًا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أقيلوا ذي الهيئات عثراتهم ) )، فأخذ هشام بفتوى غيره من الفقهاء، فقتل عبد الملك وابن عمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر لدين الله.
(38) ، (39) - قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله} إلى قوله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم} :
اختلف في هذه الآية هل هي عامة أم مجملة؟
فالأكثر أنها عامة، وذهب قوم إلى أنها مجملة، وقال قوم: كانت عامة فخصص منها أشياء، والعموم إذا خصص منه شيء بقي مجملًا. وهذا غير صحيح وفي كتب الأصول الشفاء من هذا. وإذا قلنا بالعموم، فإنما يجري حكم الآية على كل من يقع عليه اسم السارق إلا أن يقوم دليل على تخصيصه من ذلك أن ظاهر الآية يقتضي أن يقطع السارق كان مضطرًا إلى السرقة من جوع يصيبه أو غير
مضطر، إلا أنه اتفق مالك وأصحابه أنه لا يقطع من سرق على تلك الحال تخصيصًا له من العموم بما دلت عليه الآيات من تحليل الميتة للمضطر. ومن ذلك أن ظاهر الآية لا يقتضي أن السرقة يقطع فيها من حرز كانت أو غير حرز.