وقوله: (مَن ءَامَنَ مِنهُم) أي من يحقق الإيمان فبيَّن أن المُظهِر للإيمان، والذين ما داموا فيهم ممن ذكرهم، لا يسقط عنهم الخوف والحَزَن في الدارين ما لم يتحققوا بتصديق الله، والإيمان بالمعاد، والتحري لمصالح الأعمال، والثاني مَنْ في قوله: (مَن ءَامَنَ بِاَللَّه) راجع إلى قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) دون قوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) .
«إن قيل» : ما وجه قوله: (وَالصَّابِئُونَ) وقد ذكر النحويون أن المعطوف على اسم (إنَّ) قبل الخبر لا يصح فيه الرفع؟
قيل إن ذلك لا يصح منه الرفع إذا عطف على موضع (إنَّ) ويخبر عنهما بخبر واحد نحو أن يقول: إن زيداً وعمرو منطلقان، فأما إذا جعل الثاني مرتفعاً بالابتداء وجعل خبر أحدهما مضمراً يصح.
كقول الشاعر: فَإنِّى وَقيَّارٌ بهَا لَغَرِيبُ
وتقدير الكلام: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم، والذين هادوا والصابئون
والنصارى من آمن بالله لا خوف عليهم، واستغنى بخبر أحدهما عن مضمر
الآخر وعلى هذا قول الشاعر:
وإلا فاعْلَمُوا أنا وأنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقينَا فيِ شِقَاقِ
وقيل: قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) معطوف
على المضمر في قوله: (ءَامَنُو) كأنه قيل: إن الذين آمنوا هم والذين هادوا والصابئون.
قال الفراء: الرفع يصح بعد (إنَّ) ويصح في كل معطوف، ولا يتغير فيه الإعراب نحو الذي وإخوانه، وهذا وهذه.
وإنما قال: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)
فعطف المستقبل على الماضي تنبيها على أن ذلك عادتهم ماضياً ومستقبلاً.
ونبه بقوله: (بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ) أنهم يتبعون الهوى فيما يتحرونه، فلا
يستحقون جهداً وإنْ طابقوا الحق، إذ ليس لهم إلا سلوك سبيل الهوى.
«إن قيل» : لم قال: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وذلك يقتضي أن يكون بعضٌ منهم كافرين.
وقد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا) فحكم بكفر جميعهم؟