(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) .
فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟
قيل: الذي استوى فيه شريعة جُماعِه هو أصول الإيمان والإسلام، أعني التوحيد والصلاة والزكاة والصوم والقرابين، فإن أصول هذه الأشياء لا ينفَّك منها شرع بوجه، وأما الذي ذكر أنه تفرد به كل واحد من الأنبياء فروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أمة، وعلى مقتضى الحكمة من الأزمنة المختلفة.
ووجه آخر: أن الشرائع إذا عتبرت بالشارع فمقتضى حكمته يصح أن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت لغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظريتين، قال الله تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) ، وقال في موضع آخر: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) .
«إن قيل» : لم قال: (أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) فخص البعض؟
قيل في ذلك أوجه:
الأول: أنه عنى بذلك الكفر والنفاق الذي لا غفران فيه، لكن ذكر البعض منها يكون أردع للعباد.
والثاني: لأنه ذكر البعض للمبالغة تنبيها على أنه
إذا أصابهم ببعض الذنوب يقال في كلٍ أولى.
«إن قيل» : لما كرر (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ؟
قيل: قال بعضهم: إن ذلك في حكمين:
حكم في المحصن، وحكم قتيل كان فيهم، ففرق كل واحد منهما نهي عن
الهوى، تنيبها أن الهوى لا يسفر عن نجاح ولا في صلاح.
وقال بعضهم: - تقدير الكلام أنزلنا إليك الكتاب بالحق، وبأن احكم
بما أنزل، وبأن لا تتبع الهوى، فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع الهوى فأخبر بإنزال ذلك أولاً، ثم أمر به أمراً مجزماً، وقدم الأمر على الإخبار عن الأمر به تأكيداً، وتقدير الكلام: قد أوجبت عليك الحكم بذلك، وترك إتباع الهوى فاحكم بذلك.