قيل: إن امتناعهم من دخولها لكون هؤلاء فيها، وإن اعتبار ذلك ليس في وقت دون وقت بل كل وقت، ما يدخلونها من كونهم فيها وروي أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (أما والله ما نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نُقْتل حيث شئت) .
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ...(25)
«إن قيل» : كيف يصح أن يقول لا أملك إلا نفسي، والإنسان في الحقيقة لا يملك نفسه وأخاه، إذا الملك هو التصرف في الشيء بالبيع والشراء؟
قيل: هذا سؤال من هو بعيد عن متصرفات كلامهم، بل عن معرفة
حقائق الأشياء، فإن الإنسان إذا انقاد له قواه فيما يَسُومُها من فعل
الخير، يقال: هو مالك لنفسه وإذا امتنعت عليه قواه، يقال: هو غير
مالك لها، وليس تصرف المَلِك والمَالك على وجه واحد.
قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)
«إن قيل» : كيف جاز أن يريد لغيره أن يفعل الشر، وأن يكون من أصحاب النار؟
قيل: أراد ذلك بشرط القتل. أي أريد إن قتلتني أن تبوء بإثمي وإثمك وأن
تكون من أصحاب النار، وهذه الإرادة ليست بقبيحة.
«إن قيل» : لم قدم المذكر في قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)
وأَخَّر في قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ؟
قيل: لأن السرقة أكثر ما يوجد بالرجال، والزنا أكثر ما يوجد سببه من النساء، بل توهمنا امتناع انقياد المرأة أصل وجود الزنا.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(40)
وإنما قال يعذب من يشاء فقدم ذكر العقوبة على الغفران، لأن القصد بما
تقدم الردع عن ارتكاب ما يقتضي عقوبة الدارين فكان تقديم ما يقتضي ذلك
أولى.