قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه= من ذكر بعضٍ قد ترك ذكره فيه، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ويأجرهم أجرًا عظيما= لأن من شأن العرب أن يُصْحِبوا"الوعد""أن"ويعملوه فيها، فتركت"أن"إذ كان"الوعد"قولا. ومن شأن"القول"أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ، وذكر بعده جملة الخبر اجتزاءً بدلالة ظاهر الكلام على معناه، وصرفا للوعد= الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا= إلى معناه، فكأنه قيل:"قال الله: للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم".
وكان بعض نحويي البصرة يقول، إنما قيل: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم) في الوعد الذي وُعِدوا = فكأن معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات، لهم مغفرة وأجر عظيم، فيما وعدهم به.
قوله: (وأقرضتم الله قرضا حسنًا)
«فإن قال لنا قائل» : وكيف قال: (وأقرضتم الله قرضا حسنا) ولم يقل: (إقراضا حسنًا) وقد علمت أن مصدر"أقرضت""الإقراض"؟
قيل: لو قيل ذلك كان صوابا، ولكن قوله: (قرضًا حسنًا) أخرج
مصدرًا من معناه لا من لفظه. وذلك أن في قوله: (أقرض) معنى (قرض) كما في معنى"أعطى""أخذ". فكان معنى الكلام: وقَرَضْتم الله قرضًا حسنًا، ونظير ذلك: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا) [سورة نوح: 17] إذ كان في"أنبتكم"معنى:"فنبتم"وكما قال أمرؤالقيس:
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إِذْلالِ
إذ كان في"رضت"معنى"أذللت"فخرج"الإذلال"مصدرا من معناه لا من لفظه.