الجواب أن يقال: إن تسمية المخاطب بندائه مع الإقبال عليه يفيد مبالغة في التنبيه له فإذا قال القائل: افعل كذا يا فلان فكأنه قال: أعنيك بخطابي لا غيرك ممن يصح أن ينصرف الخطاب إليه، ألا ترى أنه إذا عري من النداء صلح لكل مخاطب فإذا قارن النداء الأمر كان مقصورا على صاحب الاسم الذي دخله حرف النداء، والمبالغة في التنبيه حقها أن تكون في الأهم الأعم نفعا وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يصح أن يجاب عنه بجوابين:
أحدهما أن يقال: لما نبههم على ما خصهم به من الإكرام ليشكروه على هذه النعم العظام بأن جعل فيهم أنبياء مقيمين بين ظهرانيهم يدعونهم إلى طاعة ربهم ويثنون أعنتهم عن المحظور من شهواتهم، وأن جعلهم ملوكا حيث أغناهم بما أنزله عليهم من المنّ والسلوى عن الحاجة إلى الناس في التماس الرزق من أمثالهم وتكليف خدمتهم وأعمالهم وما ملكهم من المال والعبيد والإماء الذين كانوا يخدمونهم ويكفونهم ما يحتاجون إلى مباشرته بأنفسهم، والمنة عليهم في هذا المكان أشرف ما يخوله الإنسان من النبوة التي لها أشرف منازل الثواب والملك الذي هو غاية ما تسمو إليه الهمم في دار التكليف، فنبهوا بأبلغ الألفاظ ليقوموا بشكر ما عليهم من الإنعام، والآية التي في سورة إبراهيم عليه السّلام تنبيه على ما صرف عنهم من البلاء، وليس هو كالتنبيه على تخويل أشرف العطاء من صرف البلاء.
جواب ثان: وهو أن {الْمَنَّ وَالسَّلْوى} مما لم ينعم به على أحد قبلهم ولا بعدهم، فلذلك قال: {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} فلما نبهوا على شكر نعمة خصوا بها دون الناس كلهم كانت المبالغة في ذاك أولى.