الفصل الخامس
العوامل الحقيقية في الأخلاق الفردية
ليس للقوانين المُوكَلِ إليها حمايةُ الأخلاق الجَمْعِيَّة، التي هي وليدة مقتضيات الحياة
المشتركة، أن تُبَالِيَ بالأخلاق الفردية، وذلك كما رأينا.
وهنالك عواملُ مختلفةٌ مستقلة عن الروادع الاجتماعية تُعِينُ على تكوين الأخلاق
الشخصية، ومن أهمِّ تلك العوامل نَذْكُر السَّجِيَّةَ التي تُولَد مع الإنسان، وكثيرٌ من الصفات
الخُلقية، كالصلاح والحِلْم والصدق ... إلخ، يَتَأَلَّف منه تُرَاث الأجداد فيَصْعُب اكتسابُه
على وجه مصنوع، ومن قول هُوراسَ»: يُنْجبُ الأبُ الصالح بأولادٍ صالحين، وما في الثِّيران
والجياد من قوةٍ فناشئٌ عن جنسيْهما، ولن يَلدَ النِّسْر الكاسر وَرْقاءَ ذاتَ حياء «.
وفي الغالب تُعَرَّف السَّجِيَّة بأنها،» مجموعة مُقَوِّماتٍ عقلية وعاطفية وشخصية «
فتعريفٌ كهذا لا يُسَلَّم به إلا قليلًا؛ لعَدَم تفريقه بين العقل والسجية.
فالسَّجِيَّة هي من دائرة العاطفة بالحقيقة، وهي مؤلفة من مجموعة مشاعرَ يأتي
الإنسان بها معه، والعقلُ إذا كان يُعِينُ على التفكير فإن السَّجِيَّةَ تُعِينُ على السَّيْر، ومن
هنا تُبْصِر أن شأن السَّجيَّة كبيرٌ في عالَم السلوك، 1 ومن ثَمَّ في الأخلاق الفردية، ولكن
السَّجيَّة، لثَبَاتِها، يَعْسُر كلُّ تأثير بالغ فيها، وإلى هذه الملاحظة ذهب أشهر علماء الأخلاق.
قال شُوپِنْهَاوِر: «أيمكن الأخلاقَ أن تجعل من غليظ القلب رجلًا رحيمًا عادلًا
محسنًا؟ كَلَّا، فالفروقُ الخُلقية غريزيةٌ ثابتة، وما الخبيث في خُبْثه الموروث إلَّا كالأفاعي
بأنيابها وجيوبها السَّامَّة فلا تتخلص هي ولا هو مما عليهما إلا قليلًا جدٍّا.»
وهذا الرأي الذي أبداه ذلك المفكر الشهير قد أبْدَى مثلَه أعاظمُ الفلاسفة في القرون
القديمة، فقد قال أفلاطون: «ليست الفضيلة ثمرةً طبيعية ولا نتيجةً للتربية، ولكن
الإنسان إذا سَعِدَ بحيازتها فَبِلَا تَأَمُّلٍ، فبفضلٍ إلهيٍّ.» ومن قول سقراط وأرسطو: «لا
نقدر أن نكون فضلاءَ ولا رُذَلَاءُ، فيظهر أن السجايا طبيعية، فإذا ما كُنَّا عادلين حَذِرين
إلخ، اتَّفَقَ لنا هذا منذ وِلادتنا. ... »
ويَصْعُب عَلَيَّ أَلَّا أقولَ بغير ذلك الرأي، ومع ذلك يمكنننا أن نرى فريقًا من الناس،
وهم أكثر الآدميين عددًا على ما يحتمل، لم يَنْظُر أولئك الفلاسفة إلى أمره، فهذا الجَمْع
الكبير ذو سجايا هَيِّنَة غيرِ ذات مَنَاحٍ قَوِيَّة إلى الخير أو إلى الشرِّ فيَسْهُل توجيهه.
ويقاوم ذوو السجايا القوية تقلباتِ البِيئَة ويَتَّصِفون بمزاجهم النفسي الثابت،
غير أن أولئك الذين ندعوهم بذوي السجايا الهَيِّنة ذوو قابلياتٍ متقلبة فيُعَانُون جميع
المؤثِّرات الخارجية لتَقَلُّب شخصيتهم بلا انقطاع.
وتلاحظُ تلك الحالة لدى الأمم التي لم تستقرَّ روحها فلا تُحَدِّد أخلاقها القومية ما
ينشأ عن الأحوال من التقلبات.
أَجَلْ، لا ترى مِنْهَاجًا قادرًا على تحويل ذوي السجايا الهَيِّنَة إلى أبطال، غير أن
التربية الصالحة تَقْدِر على منحهم من الأخلاق ما ينتفعون به قليلًا في الحياة.
والتربيةُ عند ذوي السجايا القوية تُنَمِّي الخِلَال الطبيعية، وهي تَمْنَح الضعفاءَ
قليلًا، وقليلًا فقط، من النشاط الذي يحتاجون إليه، وقَلَّما يَصْدُر عن الناس أقصى
ما يستطيعونه، ففي الناس ما يجهلون وجودَه فيهم من الممكنات فتُظْهِره التربية أو
الأحوال، ومن ذلك أن ناپليون أظهر من سُمُوِّ البطولة في الناس ما يَقْدِرون على الارتقاء
إليه عندما تُعْرَف قِيَادَتهم.
نَعَمْ، إن البِيئَة الاجتماعية تؤثِّر في قابليات الأفراد، تَبَعًا لِما يُرَى في فضائل بعض
الأعمال ومساوئها من القيمة، غير أنه يَصْعُب على تلك المُؤَثِّرَات أن تتغلب على المُيُول
الطبيعية، وهي لا تُؤَثِّر في سوى الطبائع المُحايِدة، أي السجايا الهَيِّنَة التي لا لَوْنَ لها،