فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 132

الباب الثالث

دَائِرَةُ الحَقَائِق العَقْلِيَّة

الفلسَفة وَالعلْم

الفصل الأول

الفلسفات العقلية

الآراءُ التي أبداها الفلاسفة في مبدأ الحقيقة قليلة، وهم لم يفعلوا، منذ ثلاثة آلاف سنة،

سوى تكرار نظرياتٍ واحدة، كما يظهر ذلك بسهولة من خلاصة مبادئهم.

وقد يبدو من القِحَة أن يُحاوَل عَرْضُ تاريخِ مختلف المناهج الفلسفية في بضع

صَفَحات، غير أن بناء هذه المناهج إذا كان مُعَقَّدًا في الغالب فإن مبادئها المرسومة تظلُّ

موجزة إلى الغاية، وتقاس هذه المناهج بمعابد الهند الضخمة المؤلفة من سلسلة أطُُرٍ

واسعة ذاتِ مركزٍ واحد، ويتوسط هذه الأطُُرَ مِحْرَابٌ مشتمل على صورة الإله المرهوب،

ولا تنفع الأطُُر العظيمة التي تحتويه إلا للإحاطة بالآلهة النافذة.

ونحن إذا ما أَعرضنا عن الأطُُر التي تَنْفَع لتزيين معابد الفكر الفلسفيِّ اكتفينا

بصَفَحات قليلة لاستخلاص المبادئ التي تَكَوَّنَت من الحقيقة في غُضُون الأجيال.

وقبل ظهور المسيح بعِدَّة قرون كان هِرَقْلِيتُ الإفِيزِيُّ يَرَى الحوادثَ تجري في سَيْلٍ

أبديٍّ، 1 أي مستمرةَ الحركة، ويراها ليست إيَّاها ولكنها تَكُون إياها، وهذا بعينه ما كَرَّره

بعده بزمنٍ هِيغِلُ وكثيرٌ من الفلاسفة المعاصرين.

وكان أناكْزِيمانْدر يقول باشتقاق جميع الموجودات من حيواناتٍ أقدمَ منها، وليس

غيرَ هذا ما تقوله نظرية التطور الحاضرة.

وكان پارْمِينِيد يُصَرِّح بأننا نَعْرِف الظواهر، لا الحقائق، وكان پروتاغوراس يقول:

«إن ما يَدْعوه الإنسانُ بالحقيقة هو حقيقةُ نفسه، أي المظهرُ الذي به تَبْدو الأشياء له،

فإذا عَدَوْتَ هذا الإدراكَ الشخصيَّ لم تَجِد أية حقيقة»،ولم يَصْنَع كَنْتُ غير توسيع هذه

الأقوال.

وكان دِيمُوقْرِيط يعتقد - كما اعتقد لِيبْنِتْزُ فيما بعد - أنه لم يُوجَد شيء في

عقلنا قبل أن يكون في حواسِّنا، فبذلك تقوم الحقيقة عند كل شخص على ما توحيه إليه

حواسُّه.

ويُضِيف المفكرون المعاصرون شروحًا مهمة إلى تلك المبادئ كما هو واضح، ولكن

من غير أن يُغَيِّروا شيئًا في الأفكار الأساسية، ومما هو جدير بالذكر أن تكون الروح

البشرية، وقد حُرِمَت عَوْنَ التَّجْرِبة، قد بَلَغَت ذلك الشَّأْوَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت