فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 132

يَتِمُّ تكوين تلك المعتقدات الجديدة وَفْقَ نظام واحد، وهو أن يَجْمَعَ مُتَهَوِّسٌ حوله رُسُلًا

ينشرون تعاليمه بالتلقين والعَدْوَى النفسية.

والمذهبُ بعد أن يكون مترجِّحًا ينقلب إلى عقائدَ من فَوْره، فهنالك يستند، كجميع

الدِّيانات، إلى أركان كبيرة ثلاثة وهي: الإيمان، والشعائر، والرموز.

والمعتقدُ بعد أن يَتَكَوَّن على هذا الوجه فينتشرَ قليلًا يَنْقَسِم، في الغالب، إلى فِرَقٍ

يَخْسَر بها وَحْدَتَه فَتَحُول دون دوامه، وهذا الانقسامُ إلى فِرَقٍ يُوقِفُ اتِّسَاعَ عدد غير قليل

من الدِّيانات.

وما بسطناه من المبادئ في فصل سابق يدلُّ على أن مُعْظم الأديان الجديدة لم

يَتَكَوَّن بحذافيره، بل تَأَلَّف من أنقاضِ معتقداتٍ سابقة، ومصدرُ هذا هو السبب النفسيُّ

البسيطُ القائل: إن المعتقداتِ لا تموت بَغْتَةً، فالمعتقدات تَتَطَلَّب، في بعض الأحيان، عِدَّةَ

أجيال لتزول، وهي إذا ما زالت تركت آثارًا لا تَمَّحي في النفس، ولا يزال بعض الشعائر

والألفاظ والأدعيةِ المأثورةِ تُثِير - حتى لدى أشدِّ المرتابين - طائفةً من الآمال والمشاعر

المطمورة في دائرة اللاشعور، والإيمانُ يكون غيرَ متصلٍ حينئذ لا ريب، ولكنه يستيقظ في

الأحوال العظيمة كساعة الموت لدى الأفراد وساعةِ المصائب لدى الأمم، وذلك كما لُوحِظ،

بما يستوقف النظرَ، في فرنسة أيام الشِّدَّةِ بعد حرب سنة 1870، فقد قطع نوابُ ذلك

الزمن عَهْدًا بإنشاء كتدرائيةٍ عظيمةٍ لِنَيْل العَوْن من السماء، وأخذ الجمهور يتقاطر

إلى الكنائس فيستمع فيها إلى قساوسةٍ قَويِّي الإيمان ضعيفي الذكاء يُوصُونَه بالحَجِّ

وبالصلوات، ويُبَلِّغُونه أن انكساراتِنا هي انتقامٌ إلهيٌّ من الملاحدة، ولَهْجَةٌ كهذه - وإن

كانت تُؤَثِّرُ في جيلٍ آخرَ - لا تَصْلُحُ لإثارة شعب في أيامنا إلا قليلًا فَظَلَّتْ غيرَ ذاتِ نفوذ،

والاشتراكيةُ إذ كانت تلائم احتياجاتٍ أكثرَ عصريةً أمكنها أن تحاول القيامَ مقام الإيمان

السابق، وأن تؤسس دِيانة من ناحيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت