مهما تكن عوامل الأخلاق الفردية يَكُن التعبير عن الأخلاق واضحًا بأن يقال إنها شعور
بالشرف.
ويمكن أن تُعَرَّف الأخلاق بالاحتياج إلى الكرامة الشخصية التي يُجْتَنَب بها بعض
الأفعال، وتُؤْتَى بها أفعالٌ أخرى حتى المخالفةُ منها لمصالحنا، وذلك حِفْظًا لحُرْمة المرءِ
وحُرْمَةِ أمثاله.
ومن مُمَيِّزات الأعمال التي تُنْجَز باسم الشرف هو أن تظلَّ هذه الأعمالُ مستقلةً عن
أحكام القوانين في الغالب، فيكون الرادعُ الخُلُقي مُمْسِكًا لحِسِّ الشرف، وحِسُّ الشرف
هذا إذا ما رَسَخ في النفوس غدا أقوى من زجر القوانين بدرجات، وفي موضوع الشرف
وحدَه يمكن الكلامُ عن المَقُولات الحَتْمِيَّة.
والرأيُ العامُّ هو دِعامة كبيرةٌ للشرف، ولكن هذه الدِّعامة قد تكون من القوة بحيث
تُؤَثِّر خارجةً عن كلِّ أمل في الاستحسان، فبذلك يُجْهَل العمل المُنْجَز لا رَيْب.
ويختلف الشعورُ بالشرف باختلاف الشعوب، فبينما ترى الشرف العسكري ناميًا
والشرفَ التجاريَّ قليلًا في اليابانيين ترى العكسَ لدى الصينيين مثلًا، وقد بلغ الشرف
التجاريُّ في الصينيين من القوة ما يُدِينُهم أربابُ المصارف الأمريكية معه نقودًا بلا
ضمان، على الرغم من حَذَر هؤلاء الأرباب؛ وذلك لوُثُوقهم بأن المَدِينَ إذا مات قبل
الاستحقاق أَوْفَت المبلغَ أسُْرَتُه وأصدقاؤه عند الضرورة.
والشعورُ بالشرف لدى أمةٍ يكفي لمَنْح هذه الأمة أخلاقًا وطيدة عند شِدَّة نُمُوِّه،
ونورد اليابانَ مثالًا على ذلك، فإليك كيف يُعَرِّف الأستاذُ كانيتو دستورَ اليابان الخُلقيَّ
المعروفَ بالبُوشِيدُو:
لا يُوحي البُوشِيدُو بما هو أبعد من ذلك، وهو لا يفاخر بأيِّ مُؤسِّس، ويقوم
مُؤيِّدُه الأسْنَى على الشعور الغريزيِّ بالخجل من كلِّ سَيِّئة، فالشجاعةُ تُعَدُّ به
أعلى فضيلة، وبه يُعَد الإقدام والصبرُ واجبَي الإنسان، وتُعَدُّ الاستقامةُ والعدالة
ملازمتيْن للبسالة الحقيقية، ويُعَدُّ الرِّفْق صِفَةَ النفس النبيلةِ.
ولا يكفي ذلك التعريف لإثبات قوة ذلك الدستور، فقد بلغت هذه القوة من العظمة
ما لَا يَتَرَدَّد معه الأشخاص في الانتحار إذا ما اعتقدوا مَسَّ شرفهم، وقد سَمِعْتُ من
يابانيين، على جانب كبير من التمدن، أن مما يَشِينُ رُبَّانَ سفينةٍ تجارية تَقْبِض عليها
مُدَرَّعَةٌ إذا لم ينتحر.
والشرفُ الذي أبصرنا تَحَوُّلَه باختلاف الشعوب يختلف باختلاف الطبقات
والطوائف والِمهَن أيضًا، فلكلٍّ من الجنديِّ والقاضي والصَّرَّاف والطبيب شَرَفُه الخاصُّ
الذي لا يَسْمَح بانتهاكه، وهناك أشخاصٌ كثيرون ليس لديهم من الأخلاق سوى شرف
زُمْرَتهم.
ولا يكاد كتابٌ ضخم يكفي لبيان الأحوال الخاصة إذا ما أرُيد الانتقالُ إليها من تلك
العموميات، فمن أَدِلَّاء اللاهوت الخُلقيِّ القديم التي يتألف منها قاعدةُ سلوك الإكليروس،
كدليل القِدِّيس أَلْفُونْس اللِّيغُورِيِّ، تتألف مجموعاتٌ عظيمة، ونَذْكر، على الخصوص،
تلك الدقائقَ التي اشتهرت بإقْلِيميَّات پَسْكال، فهي لا تنفع سوى المرشدين المُوكَلَة إليهم
تَهْدِئَةُ وساوس شيوخ العُبَّاد المريضة.