فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 132

اعْلَمْ أن الأخلاق الاجتماعية التي أَقَرَّتها القوانين لا تَنْظُر إلَّا إلى المصلحة العامة، أي إلى

القواعد الضرورية لبقاء المجتمع، فتُحَرِّم السَّرِقة والقتل والغِشَّ التجاريَّ، وتطالب الفرد

الذي تُعِينُه بالدفاع عن المجتمع، وتُضَحِّي به في ميادين القتال عند الضرورة، ولا تَذْهَب

تلك الأخلاق إلى ما هو أبعد من ذلك، فلا تبالي بالمصالح الفردية إلا إذا تصادمت هي

والمصلحة العامة.

وليس من شأن قوانين الأخلاق الاجتماعية أن تُحْدِث خِلَالًا كالنَّصْحِ والصَّلاح

والإنصاف ومَحَبَّة الآخرين ... إلخ، وفضائلُ كهذه ذاتُ تكوينٍ يختلف، أيضًا، عن

الفضائل الجَمْعِيَّة كما نُبَيِّن ذلك عما قليل.

إذَنْ، يجب أن يُفَرَّق بوضوح بين الأخلاق الفردية والأخلاق الجَمْعِيَّة كما قلتُ ذلك

غيرَ مرة، وعلى ما لهذا التفريق من أهمية تَجِده مُهْمَلًا على العموم.

وليس التفريق بين الأخلاقين أمرًا بارزًا في ميدان العمل على الدوام؛ وذلك لأن أكثر

الأخلاق فرديةً يَظَلُّ مُشْبَعًا من المُؤَثِّرَات الجَمْعِيَّة التي لا يستطيع أحد أن يتخلص منها،

وتَحْمِل هذه المؤَثِّرَات أكثرَ الأفراد أَثَرَةً على شيء من التضحية في سبيل المصالح العامة.

وللفرد أن يناقش في أخلاقه الشخصية ما كان له أن يختار، أو يعتقد أنه يختار،

قواعدَ سلوكه، وأما الأخلاق الجَمْعِيَّة فهو مُكْرَهٌ على الخضوع لها ما كان المجتمع، الذي

هو سبب حياته، هو الذي يَفْرِضها عليه.

والأخلاقُ الجَمْعِية، وهي مستقلة عن إرادتنا الاجتماعية، هي وليدة مختلف

الضرورات المُقَدَّرة، والمجتمع، لأنه يَوَدُّ البقاء، مُضْطَرٌّ إلى اتخاذ بعض القواعد الثابتة

والمحافظة عليها، ولا ضَيْرَ في أن تكون هذه القواعد مُضِرَّةً بالمصلحة الفردية أو غيرَ

مُضِرَّة بها ما دامت ضرورية لبقاء المجتمع.

وكثيرٌ من المبادئ الجَمْعِيَّةِ إذ يتضمن ضِيقًا للغرائز الطبيعية وقسرًا لها وزجرًا

لها فإن المجتمع وحدَه هو القادر على فَرْضها في سبيل المصلحة العامة بما يَسُنُّه من

القوانين وما تنصُّ عليه هذه القوانين من العقوبات، والمجتمعُ يُقَيِّد سلطانه في سبيل

مصالح المجموع بحكم الطبيعة كما ذكرتُ ذلك.

وقواعدُ الأخلاق الجَمْعِيَّة إذ كانت في منجًى من الجَدَل فإن من العَبَث أن يُبْحَث

في مطابقتها للعقل والعدل، فيكفي أن يُعْلَم أمرُ ضرورتها، والأمم إذ كانت تعيش من

السلب والفتوح تقريبًا كقدماء الرومان عَدَّتْ ما تقترفه من سفك الدماء والسَّرِقة ملائمًا

للأخلاق ملاءمةً تامة، لاقتضاء المصلحة العامة ذلك.

وتتبعُ الأخلاقُ الاجتماعية الطبائعَ بحكم الطبيعة، حتى إنها ليست غيرَ عُنْوَان لها،

وقد يَحْدُث أن تظلَّ باقيةً بعد تَغَيُّر الطبائع، ولم تُعَتِّم الواجباتُ الخلقية القديمة أن تُعَدَّ

من الأوهام إذ ذاك فلا تبقى محترمةً على الرغم من القوانين التي تحاول أن تُمْسِكها،

ومن العبث أن تَهْدِف القوانين، التي تأتي بعد الطبائع على الدوام، إلى مكافحة تَغَيُّر

الرأي العام لأنها دونه قوةً فلا تَجِد قُضَاةً يحكمون بها فتغدو غيرَ مُؤَثِّرَة، ومن هذا

القبيل، مثلًا، أن هنالك أعمالًا، كالمبارزة وزِنَى الأزواج على الخصوص، عُدَّت من الجنايات

التي يعاقَب مقترفوها بعقوبات شديدة، فصارت من الجُنَح التافهة التي تَعْدِل المحاكم

عن تَعَقُّب مجترحيها أو التي لا تَفْرِض عليهم غيرَ غرامة طفيفة.

ومنذ زمنٍ طويل عُدَّت الضروراتُ الاجتماعية سببَ الأخلاق الحقيقيَّ، فقد جَعل

أفلاطونُ پروتوغوراسَ يقول: إن العدل لم يَحْدُث أولَ وَهْلَةٍ قطُّ، بل هو وليد الاحتياجات

الاجتماعية، ومما حقَّقه ذلك الفيلسوف أن مُعْظم الناس لا يحوزون من الأخلاق سوى

الذي أَقَرَّته العادة والرأيُ العامُّ والقانون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت