حَبِطَت في كلِّ زمن جميع الجهود التي بُذِلَت لإقامة دين على العِلْم، والحقُّ أن تلك الجهودَ
نادرةٌ، ولا تَجِد مذهبًا يستوقف النظر غيرَ مذهب أوغُوسْت كُونْت، فهذا المذهب، الذي
يُنْسَى الآن، قد اقتصر، بالحقيقة، على تغيير أسماء العقائد الكاثوليكية، وما قال به من
الثالوث الجديد(أي البَشَرِيَّة التي هي الكائنُ الأعظم، والأرضُ التي هي الوَثَنُ الأعظم،
والفضاءُ الذي هو الوَسَطُ الأعظم)وَجَب أن يقوم مقام الثالوث النصرانيِّ، كما وجب أن
يَحِلَّ إكليروسٌ جديدٌ مُؤَلف من العلماء محلَّ الإكليروس القديم، ومن المحتمل ألَّا تُكَرَّر
تجرِبةٌ كهذه أبدًا، مع ما نراه من اكتساب العِلْم شكلًا دينيٍّا في بعض النفوس.
حَقٍّا إن من الوَهْم أن يُفْتَرَض قيام الحقائق العلمية، ذاتِ المصدر العقليِّ الذي
يستلزم بقاءَها غيرَ شخصية، مقامَ المبادئ اللاهوتية والخُلُقية الملائمة لمزاجنا الدينيِّ
والعاطفيِّ، والتي هي شخصية على الدوام.
وتُعَارِض تلك الأسبابُ العميقة استنادَ الدين إلى العِلم، ويدلُّ كلُّ ذهاب إلى استناد
الإيمان إلى العِلم على جهل تامٍّ لجهاز المعتقد، فالدِّيانة العلمية أمرٌ مستحيل كالأخلاق
العلمية، والعِلم والدين أمران لا يجتمعان.