فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 132

تُثبت الوقائع السابقة، بوضوحٍ، ماذا تصير إليه العقائد بانتشارها بين الجموع، ولكنها

لا تدلنا على الوجه الذي يتمثل به المؤمنون آلهتَهم.

بلغ تَمَثُّل ذلك الوجه، الخاصِّ بشعوبٍ ذاتِ مزاجٍ نفسيٍّ مختلف عن مزاجنا كالإغريق

والرومان مثلًا، من الصعوبة ما أعرض المؤرخون معه عن محاولته، وماذا يَعْني عند

الرومانيِّ القيصرُ الذي كان يَعْبُده ويشيد المعابدَ من أجله؟ وكيف كان يجعل من الرجل

إلهًا بسهولة؟ أفمن المحتمل أن كان يُفْتَرَض حلولُ الروح الربانية في الأبطال؟ كان هذا

التأليه يَعْدِل تقديسَ الصالحين في النصرانية، فالقِدِّيسُ، كالقياصرة، رجلٌ يُؤَلَّه بعد موته

وتقام المعابد في سبيله.

ويمكننا أن نَتَمَثَّل بأحسنَ من ذلك مبدأَ الأُلوهية الذي كان يَدُور في نفوس أناسٍ

أقلَّ تهذيبًا من أولئك، كأجدادنا النصارى في القرون الوسطى مثلًا، فالربُّ وأولياؤُه عند

هؤلاء الأجداد كانوا يَلُوحُون أشخاصًا قادرين؛ فتُنَال الحُظْوَة لديهم بالصلوات والهِبات.

وكان بعض المؤمنين لا يترددون في إبداء امتعاضهم بعبارات قاسية عندما لا تناسب

المكافأةُ التي ينالونها ما يُقَدِّمونه من العطايا، قال المؤرخ المشهور فُوسْتِلْ دُوكُولَانْج

متكلمًا عن ممارسة النصرانية في القرون الوسطى:

كان ذلك الدين ماديٍّا غليظًا، فمما حدث، ذات يوم، أن القِدِّيس كُولُونْبَانَ عَلِم

سَرِقَةَ ماله وقتما كان يُصَلِّي عند ضَرِيح القِدِّيس مَارْتَن فعاد إلى الضريح

وخاطب القِدِّيس قائلًا»: أتَظُنُّ أنني جئتُ لأصليَ عند قبرك فيُسْرَقَ مالي «؟

معتقدًا أن القِدِّيس يَدُلُّه على السارق ويُعيد إليه المال المسروق، ومما حَدَث

أن وقعت سَرِقَةٌ في كنيسة سَنْت كُولُونْب بباريسَ، فأهُرِع إلْوَا إلى المزار وقال:

» أنْصِتِي إلى ما أقوله إليكِ يا سَنْت كُولُونْب: إنك إذا لم تعملي على إعادة ما

سُرِق مني هنا أغلقتُ باب كنيستكِ بأكداسِ الشَّوْكِ، وصار لا يُؤْتَى بعبادةٍ

لك «وتُعَاد الأموال المسروقة في الغد، ويُعَدُّ كلُّ قِدِّيس ذا قُدْرَة خارقة للعادة،

يُسَخِّرها في سبيل عباده، وهكذا كانت العبادة تسير مُغَازَرَةً 3.

وظلَّ ذلك المَنْحَى أمرًا عامٍّا في القرون الوسطى وبعد القرون الوسطى، حتى إن

الملوك كانوا هم والشعبُ في ذلك سواءً، فقد رَوَى مسيو لا?يسُ أن لويسَ الحاديَ عشرَ

حاول أن يستميل أهل الجنة النافذين بالعطايا، قال لا?يس:

كان ذلك الملك يُتْعِب موظفي مالِيَّتِه بتبذيره في سبيل القديس مَارْتَن والقديس

مِيشِل والقديسة مَارْت ... إلخ، فكان على أولئك الموظفين أن يَجِدُوا له مبلغًا

ضَخْمًا في بضعة أيام ليكافئَ به قِدِّيسًا يُبْدي له أطيبَ خير، أو ليشتريَ به

وساطةَ قِدِّيسٍ، ومن ذلك أن مُنِح القَدِّيس مَارْتَن في تُورَ 1200 دينار بعد

الاستيلاء على پِرْپِنْيَان، وأن مُنِحَت عذراءُ پوِي عشرين ألف دينار بعد ولادة ولي

العهد، ومن ذلك أن أراد جان بُورِه منعَ شارل الجريء من فتح نوَيُّون في سنة

1472 فأرسل إلى صائغ 1200 دينار ليصنع» مدينةً من فِضَّة لِنُوتِرْدَام. «

وما كان لويسُ الرابعَ عشرَ لينظر إلى الأمور على غير ذلك الوجه عندما قال لائمًا

بعد هزيمة مالْپَالْكِه»: أَنَسِيَ الربُّ ماذا صنعتُ له «؟

وَمَنَاحٍ كتلك مما يبدو لدى الأتقياء في كلِّ جيل، فلا تَجِد في محلٍّ آلهةً لا تُسْتَمال

بالعطايا، وما في الروح البشرية من احتياجاتٍ واحدة يؤدي إلى مظاهرَ واحدةٍ في كل

مكان، فالناسُ إذ كانوا يفترضون الآلهةَ على شاكلتهم، فكيف لا يتخذون من الوسائل

تِجاه تلك الموجودات المرهوبة مثلَ الذي يتخذونه تِجاه ذوي السلطان في هذه الدنيا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت