فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 132

الباب الأول

دائِرَة اليقين الدِّينيِّ

(الآلهَة)

الفصل الأول

أسس المعتقدات الدينية

ازدرى العلمُ تحليلَ الأديان زمنًا طويلًا مع أن تاريخ البشرية يظلُّ غيرَ مفهوم بغير

تاريخ آلهتها.

ومنذ عهد قريب، فقط، أخذ العلماء يُعْنَوْن بذلك التحليل، غير أن ما طبَّقوه من

الشرح والتفسير لم يُسْفِر عن شيء سوى نتائجَ هزيلة.

ولا يزال الاطلاع على تكوين الأديان ناقصًا لِما كان من القول بإمكان درسها

اعتمادًا على النصوص كما تُدْرَس الحوادث التاريخية الأخرى، مع أن الواقع هو أن

الأديان المُزَاوَلة هي غير الأديان التي تُعَلَّم في الكتب، وسنرى في فصل آخر أن الدين

المُنْتَحَل لا يَلْبَث أن يتحول وإن ظَلَّتْ نصوصُه ثابتة لا تتغير.

إذَنْ، لا يكون لدينا سوى علم قليل بالأديان إذا ما اقتصرنا على تَبَيُّنِهَا من الكتب،

وبالمعابد والتماثيل والنقوش والصُّوَر والأقاصيص نَعْرِف الوجه الذي يفهمها به أتباعها

خيرًا مما نَعْرِفه بالكتب.

ولا يبالي الكُتَّاب الذين يبحثون في الديانات بتَحَوُّل هذه الديانات، فتُبْصِر انتحالَهم

لنظرياتٍ مناقضة لكلِّ ملاحظة.

ومن ذلك أنك تَجِد أساتذةً علماءَ يَعُدُّون البُدَّهِيَّة) البوذية(ديانةً بلا إله، مع أنها

أكثر الأديان آلهةً على ما يحتمل، وعلى ما كان من مجادلة مؤسس هذه الديانة في وجود

الآلهة؛ حيث تصادَم هو وهذه الآلهة عندما سَبَح في تَأَمُّلاته تحت شجرة الحكمة، فقاوم

وعيد أمير العفاريت مارَا وناهَضَ إغواءَ بنات الآلهة أَپسَرَا، فمن يَقُل بوجود دين بلا إله

يقترفْ خطأَ نفسيٍّا جَمْعِيٍّا أساسيٍّا.

وما يدور حول تكوين الأديان من الفرضيات كثيرُ التغيُّر، وظَلَّت الفرضية اللغوية

أكْثَر تلك الفرضياتِ شيوعًا حينًا من الزمن، وتقول هذه الفرضية: إن حوادث الطبيعة،

كالشمس والقمر والنار ... إلخ، كانت أشياءَ مُشَخَّصَةً؛ وذلك لِما كان من عَدِّ التعابير

المجازيَّة التي تدلُّ عليها أمورًا حقيقية، ومن ذلك أن كانت أسُْطُورَةُ الإلهَة سِيلِينِه التي

عانقت إنْدِيمُيون في غار لَاتْمُوسَ إشارةً إلى القمر وهو يداعب بأشعته الأمواجَ التي تَغيب

بينها الشمسُ.

ومن العبث أن نَقِفَ عند هذه النظرية المتروكة تمامًا في الوقت الحاضر، ولا تلوح

النظرياتُ التي حَلَّت محلَّها أمتَن منها مع ذلك.

إن ما أَتَى به علم وصف الإنسان من المباحث، عن طُوطَمِيَّة الحُمْرِ)الپُورُوج (

لإيضاح الضَّحِيَّة، وعن طَبْوِيَّة الپُولِينِيزِيين لإيضاح ما في الحياة الاجتماعية من وَسْوَاسٍ

ومحظور، يُلْقِي - بالحقيقة - نورًا ضئيلًا على المسائل الدينية ولا سيما الأساطير

اليونانية، وإن قوانين الأمم المتمدنة، حتى العاداتِ الاجتماعيةَ البسيطة، التي لا أَصْلَ

دينيَّ لها، مملوءةٌ بالمُحَرَّمات المشابهة لِما في طَبْوِيَّةِ الزُّمَرِ الفطرية، وإن ما في طَبْوِيَّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت