إن من أكثر أوهام الديموقراطية الحديثة استعصاءً هو أن تُفْتَرَض قدرة التعليم على
تَنْمِيَة الأخلاق، حتى إن أحد وزراء الجمهورية الفرنسية أَلَّف كتابًا ضَخْمًا؛ ليُثْبِت فيه
أن التعليم هو الوسيلةُ الصائبة لإتمام الأخلاق، وتدلُّ أقلُّ ملاحظة، مع ذلك، على أنه لا
علاقةَ بين المعرفة الفردية والشعور الخُلقيِّ، فمن الممكن أن يكون الشخصُ كثيرَ الجهل
كبيرَ الخُلق، أو أن يكون، بالعكس، واسعَ العِلم بادِيَ العَيْب، وفي كتابٍ آخر أوردتُ أمثلةً
مشهورة في ذلك فأَقتصرُ الآن على الإشارة إلى أن غير المتعلمين هم الذين ينالون، على
العموم، جوائزَ الأخلاق في الأكاديمية الفرنسية.
على أن النظرية الوهمية حَوْلَ تأثير التعليم في الأخلاق قديمةٌ جدٍّا، فقد حاول
الأغَارِقَة أيام سقراط أن يَسُنُّوا قوانينَ في الأخلاق العقلية، ومما كانوا يفترضونه -
وهذا ما لا يزال أناسٌ كثير يعتقدونه - هو أن الذنوب وليدةُ الجهل فتَسْهُل معالجتها
بالتعليم، فيَكفي لبلوغ ذلك استظهارُ رسالةٍ في الأخلاق كما يُحْفَظ كتابٌ في الحقوق
المدنية أو في الفيزياء على ظهر القلب.
والحقُّ أن الأخلاق والتعليم أمران مستقلٌّ أحدُهما عن الآخر إلى الغاية، ويُؤَدِّي نُمُوُّ
مَلَكات النقد بالتعليم إلى زعزعة الأسُُس العاطفية والدينية التي هي قواعدُ كثير من
الأخلاق.
والحقُّ أنني لا أرى من الضروري أن أسُْهِب بأكثر مما تقدم في إثباتي أن المعارف
التي يُكَدِّسها العقلُ عاطلةٌ من أيِّ تأثير في الأخلاق، فعلى من هو في رَيْبٍ من ذلك أن
يَنْظُر إلى أبناء الأسُرَة الواحدة الذين تَلَقَّوا تعليمًا واحدًا في مدرسة واحدة؛ ليرى اختلافهم
خُلقيٍّا في الغالب.