فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 132

الفصل الرابع

العوامل الحقيقية في الأخلاق الجمعية

تنشأ أخلاق المجتمعات عن الضرورات التي تَفْرِضُها البِيئَة، أي عن شروط حياة

المجتمعات، وتُحْفَظُ أخلاق المجتمعات بسلطان القوانين في بدء الأمر، ولكنها لا تَغْدُو

ثابتةً إلَّا بعد أن تتحول إلى عادات موروثة تَدْعَمها قوة الرأي العام، فالرأيُ العامُّ والعادةُ

هما عاملا الأخلاق عند مُعْظَم الناس.

قال پَسْكال: «تلك القدرةُ الرائعة العَدُوَّة للعقل، والتي يَرُوقها أن تسيطر عليه لتَدُلَّ

على سلطانها في كلِّ شيء أَوْجَبَتْ في الإنسان طبيعةً ثانية ... وما الذي يَمُنُّ ببُعْدِ الصِّيتِ

غيرُ الرأي العام؟ وما الذي يُنْعِم بالاحترام والتقديس على الناس والأعمال والأعيان غيرُ

الرأي العام؟ ... فالرأيُ العامُّ يتصَرَّفُ في كلِّ شيء، وهو يَخْلُق الجمالَ والعدل والسعادة

التي هي خيرُ ما في الدنيا.»

وحياةُ المجتمعات إذ تَنِمُّ على ملاءَمتها الدائمة لبِيئَتها فإن الأخلاق الجَمْعِيَّة، والرأيَ

العامَّ من حيث النتيجةُ، يَتَطَوَّرَان بتَحَوُّل البِيئَةِ حَتْمًا، وتَحَوُّلٌ كهذا إذ يَحْدُث ببطءٍ

فإن الأخلاق الجَمْعِيَّة تتغير ببطءٍ أيضًا، ويقع هذا التغير بسرعة إذا ما تغيرت البيئَة

الاجتماعية بَغْتَةً أيام الثَّوْرَات وفي الانقلابات العظيمة مثلًا، فهنالك تتلاشى المبادئ

التقليدية ويعود إلى الغرائز الفطرية، التي كانت تَزْجُرُها تلك التقاليدُ، سلطانُها.

والأخلاقُ الجَمْعِيَّة إذ تستند إلى الرأي العامِّ على الخصوص فإنها تَنْحَلُّ أيامَ الزعازع

الاجتماعية القوية حين ينقطع نفوذ الرأي العامِّ عن التأثير، وقد قَصَّ التاريخ علينا أنباءَ

حوادثَ مماثلةٍ للتي رواها تُوسِيدِيدُ عن جائحة اضْمَحَلَّتْ بها جميع قواعد الأخلاق.

«أرُيد اللهو بلا إبطاء ولم يُنْظَر إلى غير اللذة الراهنة؛ وذلك عَدٍّا للأموال والحياة

عَرَضَيْن زائليْن، ولم يَدُرْ في خَلَد أحد أن يسعى إلى هَدَف شريف، لاحتمال الموت قبل

الوصول إليه، واللذةُ الراهنة وما يُؤَدِّي إليها من أيِّ طريق هما كلُّ ما بدا رائعًا نافعًا،

فما كان للخوف من الآلهة ولا لأيِّ قانونٍ بشريٍّ أن يَرْدعا إنسانًا.»

ومِثْلُ ذلك ما حَدَثَ في مُعْظم الجَوَائح الكبرى، فقد لاحظ بُوكَاسُ زوالَ جميع

الفضائل الخُلقية بسرعة في أثناء جائحة فلُورَانْس.

وإذا ما أرُيد وزنُ قوة العادات والدِّيانات في تكوين الأخلاق الجامعة وجب الاعترافُ

بأن عمل العادات أشدُّ من عمل الدِّيانات؛ لأنها أقوى منها كثيرًا، والآلهةُ إذ كانت بعيدةً

وكانت الزمرةُ الاجتماعية قريبةً بَدَتْ مقاومة الزمرة الاجتماعية أصعبَ من مقاومة

الآلهة، وزَعَم المصلحون تقويضَهم للعادات الاجتماعية باسم العقل فلم يمارسوا عملًا

مستمرٍّا قَطُّ، أَجَلْ، يُمْكِن المصلحين أن يَقْلِبُوا المجتمعاتِ بتخريب مُكَدَّسٍ، ولكن سلطان

الماضي لا يَلْبَث أن يعود، وآيةُ ذلك ما كَدَّسْناه من الثَّوْرَات غيرِ النافعة في قرن واحد.

وما هو السبب في ضَعْف تأثير العقل وعِظَم تأثير العادة في تكوين الأخلاق

الاجتماعية؟ سبب ذلك هو، أولًا: أن العادة تُشْتَقُّ، على العموم، من الضرورات العاطفية

والدينية التي هي أقوى من جميع العقول، وسببُ ذلك هو، ثانيًا: أن العادة تستقرُّ

بدائرة اللاشعور حيث تَنْضَج عوامل السلوك.

ونِيتْشِه هو من الفلاسفة القليلين الذين أبصروا أن الأخلاق الاجتماعية ليست سوى

عنوان العادة، قال نِيتْشِه:

لا أخلاقَ حيثُ لا سلطان للعادات، وكلما ضاق نِطَاق العادات ضاق نِطاق

الأخلاق، والشخصُ الطليق عاطلٌ من الأخلاق لسَيْره وَفْقَ هَوَاه، لا وَفْقَ العادة

المستقرة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت