فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 132

لم تُؤَثِّر مبادئ ما بعد الطبيعة، التي جعلتها الفلسفةُ دِعامةً للأخلاق، في سلوك الناس

قَطُّ، وقد انْتُفع بها؛ لتكون ذريعةً للبحث عند المُثَقَّفين فقط، فيكفي أن تُدْرَس باختصارٍ

إذَنْ.

أشهرُ الأخلاق القائمة على ما بعد الطبيعة هي الأخلاقُ التي جاء بها كَنْتُ، وتدلُّ

دِراسة هذا الفيلسوف المفضال، الذي صَرَف عبقريته إلى البحث عن أسُُس الأخلاق، على

عودته السريعة إلى تَأمُّلات علماء اللاهوت القديمة مع قليل تعديلٍ.

وليس بمجهولٍ ما أبداه كَنْتُ من الشكِّ في كتابه» نَقْدِ العقلِ المَحْض «، فقد أوضح

فيه كيف أن معرفتنا للأمور ليست سوى تفسيرٍ، مُقَيَّدٍ بطبيعة إدراكنا، للمُعْطَيات التي

نكتسبها من حواسِّنا، ثم صَرَّح بأن الحقيقةَ لا يُرْقَى إليها، وكَنْتُ قد تلاشى شَكُّه عندما

تناول مسألة الأخلاق.

وبرهنةُ كَنْتَ إذا ما رُدَّت إلى عناصرها الأساسية بَدَتْ على جانب كبير من السذاجة

فتقوم نقطةُ الابتداء عنده على مبدأ الخير والشرِّ القديم، والناسُ، لاستعداداتهم الخاصة،

مُلْزَمون بإطاعة المبدأ الجازم الذي يأمرهم بصنع الخير واجتناب الشرِّ، واختيارٌ كهذا

يتطلب أن يكونوا أحرارًا، وعند كَنْتَ تكفي هذه الضرورة لإثبات وجود الإرادة فينا.

بَيْدَ أن اختيار الشرِّ، كما يلوح، أَلذُّ من اختيار الخير في الغالب، فمما هو واضحٌ

بدرجة البداهة أن الرذيلة لا يعاقَب صاحبها، دَوْمًا، في هذه الدنيا، وأن الفضيلة لا يكافَأُ

صاحبها إلا قليلًا في بعض الأحيان، فلا بدَّ من وجود عالَم آخرَ تُوَزَّع فيه العقوبات

والمكافآت إذَنْ، والروح هي خالدة إذَنْ.

وتَفْتَرِض ضرورةُ وجودِ عالَم مُقْبِل وجودَ حاكمٍ عادل أيضًا، وهذا الحاكم هو ا لله.

وبتسلسل البراهين تلك يكون قد أثُْبِت الاختيار وخلود الروح والجنة والنار ووجود

لله في بضع كلمات.

وأَدِلةٌ كتلك تَنِمُّ اليوم على شيء من السذاجة وضعف الإقناع، فإذا ما حَدَث فَرْطُ

نَمُوٍّ في خَلِيَّاتِ ضائنٍ الدماغيةِ، وهذا غيرُ محتمل، فاستطاع هذا الضائن أن يُبَرْهِن لم

يَنْتَه إلى غير ما انتهى إليه كَنْتُ تقريبًا، فلا يَعْسُر عليه أن يُثْبِت بسلسلةٍ من الأدَلة خلودَ

روح الضأن ووجودَ إله يُجَازي ويكافئ.

ومما يقوله الضَّائن أن مصير الضَّأن حافلٌ بالجَوْر والطغيان، وأن لله إذ كان

طَيِّبًا إلى الغاية فإنه لم يَخْلُقها ليُجْعَلَ من لحومها قِطَعٌ للأكل فقط، مع أنها عُنْوان

الفضائل بدَعَتِها وتسليمها، وأن القانون الخُلُقِيَّ يقضي بأن تُعَوَّض من مصيرها الجائر،

فالضائنُ، إذَنْ، ذو روح خالدة، وسيجد في حياةٍ آخرةٍ مكافأةً له على المظالم التي ذهب

ضحيتها في هذه الحياة الدنيا.

ومن الصعب أن ندرك أن فيلسوفًا مثلَ كَنْتَ يُبَرْهِن على ذلك الوجه الهزيل إذا ما

نسِينا أنه عاش في زمنٍ كان الإنسان يُعَدُّ فيه كائنًا ذا خِلْقَةٍ خاصَّة فُرِضَ عليه أن يستعدَّ

لحياةٍ خالدة سعيدة باتِّبَاعه أوامرَ خالقِه في الأرض.

وكان علماء ما بعد الطبيعة في ذلك العصر يقولون إن الأخلاق ذاتُ كِيَان واحد

شامل لجميع الأمم، والخيرُ في مراعاة مبادئها والشرُّ في مخالفتها.

وكانت مبادئ الأخلاق التي أَمْلَتْها ما بعد الطبيعة بسيطَةً جدٍّا، فقد ذهب كَنْتُ

إلى إمكان تلخيص الناموس الخُلُقِيِّ في القاعدة: «سِرْ، على الدوام، كما لو تُرِيدُ أن يَبْدُوَ

عملُك مبدأ عامٍّا للسلوك»، ويمكن ضَمُّ هذه النصيحة إلى النصائح التي تَمْلَأُ الكتبَ

الدينية كالقول: أحِبَّ قريبك كما تُحِبُّ نفسك، وكالقول: أَدِرْ خَدَّكَ الأيمن إذا ما ضُرِبْتَ

على خَدِّك الأيسر ... إلخ.

وهنالك علماء على جانب كبير من الفضل رَأَوْا نظرياتِ كَنْتَ في الأخلاق واضحةً

قاطعة، فإليك قولَ بِرْتِلُو سنة 1863 في هذا الموضوع:

يكون كَنْتُ، بإقامته الحقائقَ الخُلُقِية على أساس عقليٍّ عمليٍّ متين، قد مَنَحَ

هذه الحقائقَ، في أواخر القرن الأخير، دِعامتَها الصحيحةَ وسَافاتِها 2 الجازمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت