نرى أن نُبْصِر عناصرَ الأخلاق قبل أن نَدْرُس أسُسَها، فنسأل عن معنى كلمات الخير
والشرِّ والفضيلة والرذيلة المستعملة في كلِّ يوم.
إذا ما نظرتَ إلى المعاجم وجدتَها تُعَرِّف علم الأخلاق بعلم قواعد السلوك التي
يجب اتباعها لعمل الخير واجتناب الشرِّ، وتُعَرِّف الفضيلةَ بالاستعداد النفسي الذي يَحْفِز
النفس إلى عمل الخير واجتناب الشرِّ، أي مراعاةِ قواعد الأخلاق، وتُعَرِّف الرذيلةَ بما هو
عكس ذلك.
ولكن على أيِّ شيء يقوم الخير والشرُّ؟ كان يلوح تعريفُهما، المزعجُ اليوم، حتى
لأولِي الأبصار، أمرًا بسيطًا إلى الغاية لعلماء القرن السابق، وإليكَ، مثلًا، كيف أَوْضح
أحدُ مشاهير هؤلاء، برْتِلُو، مسألةَ الأخلاق في بضعة أسطر، قال برْتِلُو: «إن شعور الخير
والشرِّ من مقومات الطبيعة البشرية، فيستحوذ علينا هذا الشعورُ مستقلٍّا عن كلِّ عقل
واعتقاد وعن كلِّ فكر في الثواب أو العقاب، ومن أَجْل ذلك اعْتُرِف بمبدأ الواجب، أي
بقاعدة الحياة العملية، كأمر أصليٍّ خارج عن الجَدَل وفوْقَ الجَدَل.»
ولاشيءَ أبسطُ من ذلك كما ترى، ولا تُبْصِر فيلسوفًا عصريٍّا لا يَجِد المزاعمَ السابقة
عاريةً من الدليل مخالفةً حتى للمعارف القائمة على الترصد والمشاهدة.
ومن المُمْتِع، كما يلوح، أن يُقَابَل بين التعريف الذي أتى به بِرْتِلُو للخير والشرِّ منذ
خمسين سنة والتعريفِ الذي جاد به حديثًا عالِمٌ آخرُ، أي مديرُ مُتْحَف التاريخ الطبيعي
مسيو پِيريه.
قال پِيريه: إن مبدأ الخير والشرِّ هو مبدأ تصورناه لتسهيل صِلاتنا الاجتماعية،
فنحن ندعو بالخير ما هو نافع للمجتمع، وندعو بالشرِّ كلَّ عمل يُوجِب تضحيةَ المصلحة
الاجتماعية في سبيل المصلحة الفردية.
فالفضيلةُ والرذيلة تَدُلَّان، إذَنْ، على الأعمال النافعة للمجتمع أو الضَّارَّة به،
والإخلاصُ لمصلحة المجموع والوطنيةُ والأمانة إذ إنها ضرورية للمجتمع عُدَّتْ من
الفضائل، والأثَرَةُ والعُنْف والسَّرِقة إذ إنها شُؤْم عليه عُدَّت من الرَّذائل.
بَيْد أن هذه النظرية لا تُطَبَّق على غير الأخلاق الجَمْعِيَّة، وهي لا تُنِير تكوين الأخلاق
الفردية أبدًا، والأخلاقُ الفردية والأخلاقُ الجَمْعِيَّة هما ما يَجِب أن يفرق بينهما بوضوح
كما سنرى ذلك.