فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 132

كانت الآلهة في الوثنية توافق، أحيانًا، على مخاطبة الناس بهواتفَ يقوم بها أناس

مشابهون للوسطاء المعاصرين، وما كان الإغريق ليأتوا عملًا من غير استشارتهم؛ فكانوا

يجيئون من الأماكن البعيدة ليسألوا كاهنةَ دِلْف المتكلمة باسم أَپُولون.

وكانت الثقة بالمراسيم التي تصدر على ذلك الوجه مطلقةً، ومن ذلك أن الهاتف

أوْحَى بأن القيصر هادِرْيان سيموت قبل الأوان ما لم يَذْبح أحدُ أصدقائه نفسَه من

أَجْله، فقَرَّب نديمُه المُفَضَّلُ أنتينوس نفسَه منتحرًا، فحَزِن هادِرْيَان شاكرًا فأقام له، في

الحال، معبدًا مُؤَسِّسًا حوله مدينةً مهمة عاشت أربعةَ قرون.

وعند انعدام الهواتف كان يُرْجَع إلى الفُئُول لتَعَرُّف إرادة الآلهة، فكان يوجد في

رومة كليةٌ رسمية للفُئُول لم تُلْغَ إلا بعد أن صارت النصرانيةُ دينَ الإمبراطورية.

ومن الواضح أن كانت الفُئُول والهواتف وليدةَ نفسية دينية لِما كان من بقائها

مُسَمَّاة بأسماء مختلفة على الدوام، فكنت ترى الرُّقْيَا والسحرَ في القرون الوسطى، وترى

الموائدَ الدَّوَّارة ومناجاة الأرواح في الوقت الحاضر.

يُثْبِت ما تقدم مقدارَ هَيْمَنَة المعتقدات الدينية على الحياة في الزمن القديم، ونعلَم أن

مثل ذلك كان يَحْدُث في القرون الوسطى، وما انفكَّ تاريخُنا يَخْضَع للمُؤَثِّرات اللَّاهوتية

مدةً تزيد على ألف سنة، حقٍّا إن العلم قد ضَيَّق دائرة علم الكلام بتضييقه، بالتدريج،

نِطَاقَ الميدان الذي افْتُرِضت سيطرة الآلهة عليه، ولكن من غير أن يَقْضِيَ على النفسية

الدينية، فهذه النفسية تبدو الآن على صُوَر أخرى، أي إنها تحولت إلى نفسية سياسية

واجتماعية، فترى الثقة بالصِّيَغ والآمالَ تستحوذان على النفوس كما كانتا، وما احتياجُ

الإنسان إلى المعتقدات لتغذية حياته الباطنية إلا كاحتياج المَعِدَة إلى الغذاء لحِفْظ الحياة

الجُثْمانية، وتاريخُ الأديان المُمْتِعُ هو الذي أَبْدَى هذه الظاهرة النفسية الأساسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت