غايةُ هذا الكتاب هي البحث في مصادر بعض المعتقدات الدينية والفلسفية والخُلُقية
العظيمة التي وَجَّهَت الناس في غُضُون التاريخ، والبحثُ في تَحَوُّلات هذه المعتقدات، وهذا
الكتاب تطبيقٌ جديد للمبادئ التي عَرَضْتُها في كتابي السابق «الآراء والمعتقدات» والتي
فَسَّرْتُ بها حوادثَ الإصلاح الدينيِّ والثورةِ الفرنسية في كتاب آخر بعد ذلك.
مَثَّلَت المعتقدات دورًا أساسيٍّا في التاريخ على الدوام، ويَتَوَقَّف مصير إحدى الأمم
على المعتقدات التي تُسَيِّرها، وتنشأ التطورات الاجتماعية وقيامُ الدُّوَل وسقوطُها وعظمةُ
الحضارات وانحطاطُها عن عدد قليل من المعتقدات التي عُدَّت من الحقائق، فالمعتقدات
هي مطابَقَةٌ بين مزاج الشعوب النفسيِّ الموروث ومقتضياتِ كلِّ دَوْر.
ومن أشدِّ أغاليط الزمن الحاضر خَطَرًا هو العَزْم على نَبْذ الماضي، وكيف نَقْدِر على
ذلك؟ تُهَيْمِن أشباح الأموات على نفوسنا، ويَتَألَّف من هذه الأشباح مُعْظَمُ كِياننا، ومنها
تُنْسج لُحْمَةُ مصيرنا، فحياةُ الأموات أبقى من حياة الأحياء.
وسواءٌ عليك أنظرتَ إلى تعاقب الموجودات أم إلى تعاقب المجتمعات لم تَجِد الحاضر
إلَّا وليدَ الماضي.
أخذت المبادئ التي أطَُبِّقها في هذا الكتاب تطبيقًا جديدًا تنتشر بين الأجيال الحاضرة.
يبدو تطورُ الشَّبِيبَة أمرًا محسوسًا إلى الغاية، فالشَّبِيبَة إذ كانت تُبْصِر مجاوزة
الوطن لساعات عصيبة، وتَرَاكُمَ الأضرار المادية والأدبية يومًا بعد يوم، والشبيبة إذ كانت
تُدْرِك الهُوَى التي يقود إليها السلبيُّون والمخرِّبُون تراها تبتعد عن هؤلاء باحثةً عن سادة
آخرين، وتعارض الشبيبة ذوي العُقْم من النظريين بالحقائق والحياة وضرورة العمل،
وتخرج الشبيبة من نطاق الكتب فتبصر العالم، وتدلُّها ملاحظة الشعوب التي تنطفئ على
مقدار الانحطاط العُضال الذي ينشأ عن سقوط الأخلاق، وعن التجارِب الوهمية لإحداث
الانقلابات الاجتماعية.
والأجيال الفتِيَّةُ، حين تُشَاهِد لدى الأمم التي تسيطر على العالم شأنَ النظام والنشاطِ
والعزم، تُدْرِك أن أية حضارةٍ لا تستطيع أن تدوم بلا كِيان نَفْسِيٍّ، وبغير بعض المبادئ
التي يُجْمِع الجميع على احترامها، والآن تبدو القُوَى الأدبية لها مُحَرِّكًا حقيقيٍّا للعالم.
والأمَُّةُ تتقدم أو تتأخر بحسب قيمة المبادئ التي تُسَيِّرها، وفي كلِّ صفحة من صَفَحات
التاريخ دليلٌ على مقدار المصائب التي يمكن أن تصاب بها الأمم من تطبيق المبادئ المُخْتَلَّة
عليها، فمما حَدَث أن سَيَّرَت بعض المبادئ الفاسدة مملكَةَ قشتالة) الإسبانية (فأدى ذلك
إلى خراب بلدها العظيم، وإلى ضَياع جميع مستعمراتها، وليس بمجهولٍ مقدارُ الثمن
الذي كَلفنا إياه اعتناقنا للمبادئ الوهمية، وما أكثرُ الفاتحين سفكًا للدماء إلا أقلَّ تخريبًا
من المبادئ الفاسدة.
وإذا ما استمرَّ النظريون المعاصرون القائلون بالمساواة على عملهم قَوَّضُوا أزهى
الحضارات مرةً أخرى، ولن يتلاشى شأن هؤلاء البرابرة الجُدُدِ إلَّا باضمحلال المعتقدات
الوهمية التي فيها سرّ ُقوَّتهم.
وعلى الشَّبِيبَة الحاضرة أن تَجِدَّ في تغيير الأفكار باللسان والقلم والعمل، وعليها أن
تختلط بالجمهور، وألَّا تنسى أن تَقَدُّم الأمم من عمل خِيارها على الدوام، فإذا ما سار
الخِيار وراء الجماهير بدلًا من قيادتها حان وقت الانحطاط، فهذه هي سُنَّة التاريخ التي
لا شواذَّ لها.
ومزاجُ الشبِيبَة النفسيُّ الحاضرُ يَبْعَث الأملَ في النفوس، ولكن حالته الروحية الجديدة لا
تَخْلُو من خَطَر، فالجيل الذي لا يَجِد من القواعد المُجْمَع عليها ما يُوَجِّه به حياتَه يَعُود
بغريزته إلى الماضي، فتجارِب كهذه مَحْفُوفَةٌ بالمهالك على الدوام فضلًا عن عدم فائدتها،
وليس مما يلائم جيلًا جديدًا ما لدى جيلٍ آفِل من المبادئ.