فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 132

تُؤَدِّي الملاحظات المعروضةُ آنفًا إلى البحث باختصار في شأن المنفعة التي استُشْهِدَ بها

كثيرًا في تكوين الأخلاق.

والقولُ بأن الأخلاقَ الاجتماعية تقوم على المنفعة هو من الحقائق المبتذلة كما يلوح،

فمن النفع الواضح للفرد أن يَحْتَرِم الفردُ القوانينَ، فهو إذا ما انتهك حرمتَها عَرَّض

نفسه للعقوبات، ولكن من الخطأ أن يقال بقيام الأخلاق الفردية على ذلك الأساس

النفعيِّ.

توصِي الأخلاقُ النفعية، التي بُشر بها منذ زمن سقراط، الفردَ بأن يكون فاضلًا

لِما في الفضيلة من المنافع واجتناب الموانع، وهذا ما يُعَلِّمه، تقريبًا، فلاسفةُ الإنكليز

السابقون وأصحابُ مذهب الذرائع المعاصرون، قال وِيلْيَم جِيمْس:

يقوم العدل على ما هو نافعٌ في سَيْرنا، مهما كان وَجْه هذا النافع تقريبًا.

ويقوم العدل، بحسب هذا التعريف، على ما هو نافع، ولكن من الذي يحكم في

الشيء النافع؟ أفيكون الفرد أم المجتمعُ هو الحاكم؟

يَعُدُّ المجرمون السَّرَقَ والقتلَ وما إليهما أمورًا نافعة لِما يَجِدونه فيها من الفائدة،

ويَقْمَع المجتمعُ مثلَ هذه الأعمال لِما يَجِدُه فيها من ضرر له.

والمجتمعُ وحدَه هو المقياس - كما هو واضح - ما دام الفرد خاضعًا له، وتكون

المنفعة، إذ ذاك، إطاعةً لتعاليم المجتمع مما لا جِدال فيه.

بَيْدَ أن القَسْر الاجتماعيَّ يتوارى في موضوع الأخلاق الفردية، والفردُ إذا ما اتخذ

منفعتَه دليلًا وحيدًا له كان ذا أخلاق هزيلة أو كان عاطلًا من الأخلاق عَطَلًا تامٍّا، ومن

العبث أن يقال إنه يجب عليه أن يمارس الفضيلة؛ لأنها تؤدي إلى السعادة، فكلٌّ يَعْلَم أن

الفضيلة لا تُوجِب السعادة في كلِّ وقت، وأنها تتضمن، في الغالب، كِفاحًا ضدَّ السعادة.

ومقياسُ المنفعة الصِّرْفَة يُورِث أَثَرَةً وثيقة بسهولة، وهو لا يُحْدِث أيةَ أخلاقٍ متينة،

وليس في اتخاذ المنفعة الشخصية هاديًا سِرُّ تضحية أناسٍ كثيرين بأوقاتهم وثروتهم،

وبحياتهم في الغالب في سبيل غاياتٍ نبيلة؛ كَقَدْح زناد فكرهم الغضِّ، ومغامرِتهم في

أسفار خَطِرَة، وتعريض نفوسهم للهلاك إنقاذًا لأمثالهم من الموت ... إلخ، ويمكن أن

يقال، لشرف الإنسانية، إن المنفعة، أي الأثَرَةَ، لم تكن عامل سَيْرها الرئيسَ قَطُّ.

ومن السهل، إذَنْ، أن يُدْرَك أن النَّفْعِيَّة كانت عند بعض الفلاسفة على الدوام، كَكَنْتَ

مثلًا، «إنكارًا للأخلاق.»

والناحيةُ الضعيفة في الأخلاق الدينية هي، بالضبط، في أن تكون المنفعة وحدَها

عاملَ سلوك، وأيُّ شيءٍ أنفعُ للفرد، بالحقيقة، من أن يفوز بالجنة ويجتنب جهنم؟

فالفرقُ الوحيد بين الأخلاق النفعية لدى الفلاسفة والأخلاق النفعية لدى علماء اللاهوت

هو أن الأولى: تَجْعَل السعادة في هذه الحياة الدنيا، وأن الثانية: تجعلها في الحياة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت